اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية

كفن تورينو  في العام 2002 : الحلّة الجديدة*

المونسينيور جيوسيبي غيبارتي**

 

1- في يوم الثلاثاء، الواقع فيه 23 تموز، العام 2002، كان كفن تورينو ملقى على "أريكة ميكروتكنيكا"(1)، بلا أيّة حماية، بتواضع عريه المحتشم. كان قد غادر مكانه المعتاد في الكابيلا، ومَذخر "ألينيا"(2) منذ خمسة اسابيع، وهو الآن على وشك العودة إليها. ما أن وصل المونسنيور لانزيتي Lanzetti (3) حتى دخل السكريستيا الجديدة مع جميع الذين كانوا ينتظرون في الممر الزجاجي. مرّت بضع دقائق من التأمل بصمت، تبعها تعليق قصير على معنى هذا الحدث في مسيرة الكفن التاريخيّة، ثمّ ترأس النائب الأسقفي صلاة البدء، بالنيابة عن رئيس الأساقفة الذي ذهب إلى تورونتو للاشتراك مع البابا في الأيام العالميّة للشبيبة. بعد الصلاة، بدأت المسيرة برفقة الكفن لإرجاعه إلى مكانه المعتاد في الكابيلا. وقفت ميختيلد فلوري لامبرغ Mechtild Flury Lemberg   وإيرينه توميدي Irene Tomedi جانبًا، تتابعان تقدّم المسيرة، بقلب منفطر: "كان الأمر شبيهًا بمسيرة جنائزية". الآن وقد انتهى كلّ شيء، طافت المشاعر العميقة: "طيلة فترة عملنا، حاولنا عدم التفكير بالشيء الغامض الذي كان بين أيدينا، وقرّرنا التركيز على ما هو مطلوب منا. رغم ذلك، كانت تنتابنا الرعشة في كلّ مرّة ننهي عملنا اليومي، حيث كنا نشعر برغبة متنامية للبقاء مع الكفن، والتحدّث إلى ذاك الذي تعذّب العذاب الكبير. لكنّ الوقت المعطى لنا قد انتهى". إنّه الشعور نفسه ينتاب جميع الذين شاركوا في الأعمال التي جرت أثناء الأسابيع الخمسة الماضية.
منذ مساء الخميس، الواقع فيه 20 حزيران العام 2002، وحتّى مساء الثلاثاء، الواقع فيه 23 تموز من السنة ذاتها، بقي الكفن خارج المَذخر، وبعيدًا عن الكابيلا، وها هو الآن يرجع إلى مكانه، وقد استعاد شبابه، إذا صحّ التعبير. كم من أمور حصلت، منذ أن أودع الكفن في مَذخر "ألينيا"، للمرّة الاولى، في تشرين الثاني العام 2000، بعد نهاية العرضين العلنيين(4).

2- بدأت فكرة القيام بأعمال الصيانة على الكفن، للمحافظة عليه بأحسن حال، وفي خطّ التصليحات التي نفذتها الراهبات الكلاريات في شامبيري، العام 1534، تأخذ مجراها بين أعضاء لجنة المحافظة على الكفن، منذ زمن طويل.
عندما أوكل الأمر إلى الكردينال سالداريني، في ذروة الجدل الذي نتج عن فحص الكاربون 14 ، كانت توصياته بالكفّ عن القيام بأبحاث علميّة جديدة، والاهتمام بموضوع الصيانة، في مقاربة أرادها مدروسة ومنسّقة(5). لذلك بدأ، في العام 1991، بتشكيل مجموعة صغيرة تعنى بالتحضير لاجتماع موسّع مع بعض الاختصاصيين. أتى هذا التدبير، بالنسبة إلينا، نحن الحاملين وزر الماضي كحجر الطاحون، بمثابة مقاربة جديدة. وتوجّب علينا العمل بسريّة مطلقة، منذ البداية.  فبعد يوم من الإعداد أمضيناه في بيانيتزا Pianezza (6) تسنّت الفرصة للجنة صغيرة غير رسميّة، لمعاينة الكفن لعدّة ساعات، في قاعة الكاتدرائيّة التي تسمّى اليوم بالسكريستيا القديمة (مع أنّ بعض المؤرّخين يقولون بأنّها ليست الأقدم) بهدف جمع الآراء والأفكار عن سبل المحافظة على الكفن. على أثر تلك المعاينة، التي حصلت في السابع من أيلول، العام 1992، تقدّمت اللجنة بمجموعة من الاقتراحات لتحسين حالة الكفن، ولو كانت هذه الحالة مبرّرة بالنسبة إلى تاريخه الطويل، لكنّها لا تتناسب مع النتيجة التي يمكن الحصول عليها، لو قمنا بتطبيق التقنيات الحديثة المستعملة للمحافظة على الأقمشة القديمة.
كان الهاجس الأكبر متعلقًا بطيّات القماشة، العديدة والمشوّهة، لا سيما على مستوى الوجه. لذلك، وافق الجميع على ضرورة العدول عن الاحتفاظ بالكفن ملفوفًا، وعلى ضرورة تحريره من القيود التي تمسك به وهي: البطانة العليا، وحافة الحرير ذات اللون الأزرق والأخضر مع القطع الفضيّة المقويّة لها، الموجودة على جوانب الكفن القصيرة. واقـتـُرح أيضًا إزالة الرقع، وهو أمر يبدو مستحيلاً، بعد أن استعدنا نقاشًا بشأنها جرى في اللجنة العلميّة التي أنشأها الكردينال بيليغرينو(7)، في العام 1969.

3- لكن شيئا من ذلك كلّه لم ينفّذ، واستعاد الكفن مكانه "ممجدًا" في المشكاة، على مذبح برتولا(8) غير عارفين التاريخ الذي سيغادر فيه مكانه هذا في المرّة المقبلة. لكنّ العناية الإلهيّة تدفع الأحداث بطريقة غريبة، ولم نلاحظ، إلاّ في فترة لاحقة، بأنّ ما فكّرنا به سوف يصبح جزءًا من مشروع متكامل. ففي الرابع من أيار، العام 1990، بمناسبة عيد الكفن، وفيما كان القداس يشارف على نهايته، سقطت بعض قطع الرخام من قبّة غواريني(9). لم يصب أحد بأذى، لكنّ السلطات قرّرت إغلاق الكابيلا، والقيام بتصليحات جدّيّة على القبة. في هذه الحالة، ماذا سيحلّ بالكفن؟ تداول الكردينال بالأمر مع القيّمين على الكاتدرائيّة، وقرّروا نقله إلى الخورس، ووضعه في داخل نصب من الزجاج، أوكل صنعه إلى المعماري برونو(10). وفي 24 شباط العام 1993، الموافق أربعاء الرماد، غادر الكفن الكابيلا التي شُيّدت خصّيصًا له، في العام 1694، منذ حوالي ثلاثمائة سنة، لينتقل إلى الخورس، وبقي فيه مدّة أربع سنوات، لحين اندلاع الحريق الكبير الذي أثار الرعب في الكاتدرائية، ليلة الجمعة 11 -  السبت 12 نيسان، العام 1997، وذلك عشرة أيّام بعد عيد الفصح. وقد بلغت ألسنة النار أحد الأجنحة في القصر الملكي، وعمّت الفوضى كابيلا غواريني. لم يصب الكفن بأذى، لكنّ تمّ إبعاده عن المكان لمدّة عام.

4- إنّ الاحداث التي جرت في السنوات الأخيرة شجّعت لجنة المحافظة على الكفن على العودة إلى الأفكار المتداولة منذ العام 1992. وزاد اقتناع الكردينال سالداريني بأنّه لم يعد من الممكن تأجيل القرار للمحافظة على الكفن بشكل دائم، ممدودًا وملقًى على أريكة. غير أنّ ذلك الأمر أثار مشكلة جديدة. لقد صُمّمت كابيلا غواريني على أساس دائري، لتأوي مَذخرًا يزيد طوله عن المتر الواحد بقليل، والمطلوب الآن وضع مذخر أكبر منه بأربعة أضعاف، من دون تغيير الهندسة الأصليّة. من أجل ذلك، تمّ التقدّم باقتراحات جديدة، وأجريت التجارب، في جوِّ من المناقشات الطويلة جرت بين المهندسين، وممثلين عن القيّمين على الكاتدرائيّة، وبعض أعضاء اللجنة، وتمّ الاتفاق بسهولة على أنّ الكابيلا الجديدة للكفن المقدّس يجب أن تكون في داخل الكاتدرائية، تحت المنصّة الملكيّة، إلى أقصى يسار الجناح(11). لكنّ الحريق حصل قبل إيجاد الحلّ المناسب، وكانت الأضرار التي لحقت بالكنيسة من الخطورة بحيث وضع الأمر جانبًا لسنوات طويلة.
أمّا بعد، حان الأوان لمراجعة شاملة لجميع التدابير المتعلّقة بالمحافظة على الكفن. لذلك، دُعي العالم الأميركي ألان أدلر Alan Adler ، العام 1994، للانضمام إلى اللجنة، وهو المعروف بكفاءته النادرة، ومكانته المرموقة، وتعلّقه الفريد بالكفن. وكانت تربطه علاقة خاصّة بالأب رينالدي، الراهب السالسي من منطقة البييمون في إيطاليا، والمقيم في اميركا، حيث أثار اهتمامًا واسعًا بالكفن(12) . فصار أدلر الوسيلة التي أرسلتها العناية الإلهيّة للتواصل مع الباحثين الاميركيين، والاطلاع على نتائج فحوصاتهم الهامّة. أتى إلى تورينو عدّة مرّات، وشارك في أعمال المنتدى الذي انعقد في ڨيلا غوالينو، في شهر آذار، العام 2000، لكنّه توفي فجأة، في 12 حزيران، قبل بداية العرض العلني الثاني. ونحن ندين له بعدّة اقتراحات للمحافظة على الكفن، من بينها، مثلاً، فكرة الاحتفاظ بالكفن في جوّ من الغاز الغَفل inert .

5-كان أدلر قلقًا من تأثيرات المواد المضرّة التي خلّفها حريق العام 1532، والمحصورة تحت الرقع التي وضعتها راهبات شامبيري. وعندما كان يتناول الكلمة في اجتماعات اللجنة، لم يكن يتوانى عن عرض النظريات الأكثر تقدمًا، وكانت إحداها (وهي ليست جديدة علينا، وقد أشرنا إليها سابقًا، ولكنّها مدعومة بسلطة مركزه المرموق) تقضي بنزع الرقع و"نسيج هولندة"(13). وبقيت الفكرة حبرًا على ورق إلى أن أظهرت الصور الرسمية الملتقطة العام 2000 كمية المواد المرشوشة التي تجمّعت ما بين الرقع والنسيج السند.
كان قد سبق، في السنوات الماضية، اتّخاذ بعض الإجراءات لتحرير الكفن، تكون مفيدة للقماش كي يتنفس، إذ تمّ إزالة حافة الحرير ذات اللون الأزرق والأخضر مع القطع الفضيّة المقويّة لها.
ألم يكن من المفيد الوصول بهذا المشروع إلى النهاية؟ بعد تفكير طويل، وصلنا إلى الحلّ الذي عبّرت عنه الدكتورة كارلا أنريكا سبانتيغاتي Carla Enrica Spantigati ، العضو في لجنة المحافظة، والقيّمة على الإرث الفني والتاريخي لمنطقة البييمون، إذ قالت:
"لقد أمضى الكفن خمسمائة سنة تقريبًا على هذا الحال، أي بوجود الرقع و "نسيج هولندة"، أكسبه طابعًا مميزًا، صار تقليدًا ثابتًا ألفته أجيال من المؤمنين والزوّار. فاحترامًا لهذا التاريخ، ولكلّ الذين عرفوا الكفن بهذا الشكل، تقضي الحكمة بتركه على وضعه الراهن. ولكن، إذا تبيّن وجود أسباب جديّة تدفعنا إلى الاعتقاد بأنّ نزع الرقع و "نسيج هولندة" يمكن أن يحقّق مكسبًا كبيرًا لعمليّة المحافظة على الكفن، وجب، عندئذ، على مشاعر التقليد القديم، أن تفسح المجال أمام حاجة ملحّة يفرضها الشيء عينه."
وافق جميع أعضاء اللجنة على منطق هذا التفكير، ورفعوا تقريرًا بهذا الخصوص، موقّعًا من الجميع، إلى الكردينال بوليتو، الحارس البابوي للكفن المقدس(14) الذي درس الموضوع، وقرّر إرسال التقرير إلى البابا. قام الكردينال سودانو، سكرتير الدولة، بتسليم التقرير إلى البابا، الذي اهتمّ شخصيًا بالأمر، وسمح المباشرة بتنفيذ الاقتراحات، كما أتى في جواب الكردينال سودانو، المؤرّخ في 3 تشرين الثاني العام 2001 .

6- مع الحصول على الموافقة، كان لا بدّ من العمل بسرعة. لكن بقيت مشاكل عديدة بحاجة إلى حلول. بداية، أين سيوضع الكفن للعمل عليه؟ إنّ تدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك، في الحادي عشر من أيلول العام 2001، أظهر للغرب المترف مدى ضعفه. والمدن الإيطالية مليئة بالمواقع المستهدفة، وكفن تورينو في طليعتها. إجتمعت سلطات المدينة، المدنيّة والدينيّة، للتداول في أمر إيجاد ملجأ آمن للكفن، ولكنّها ارتأت إبقائه على وضعه، كما هو. ألم يكن الخطر أكبر فيما لو تمّ نقل الكفن إلى مكان بعيد؟ لأنّه، لو انتشر خبر نقله، لكان أساء إلى ذلك الشيء البالغ الثمن. تمّ البحث عن أماكن عديدة، وفي النهاية، وقع اختيار الحارس البابوي، الكردينال بوليتو، على السكريستيا الجديدة، التي سبق وشهدت جميع العمليات التي تمّت على الكفن، قبل العرضين الأخيرين، وبعدهما. هكذا، يبقى الكفن داخل حدود الكاتدرائية، حيث بالإمكان اعتماد الحذر الكامل. يأتي الصمت في طليعة التدابير المتّخذة(15)، ثمّ تقرّر القول، للذين يحاولون الاستفسار، أنّ لا شيء يحدث على الإطلاق، وذلك للأسباب الأمنية المذكورة. وتمّ إخطار الشرطة، وشركة الحراسة الخاصّة Cittadine dell’Ordine (يحضر أحد عملائها جميع العروض العلنيّة، منذ العام 1978). كما تمّ بناء سياج يكون بمثابة سور واق بين السكريستيا الجديدة والساحة، على امتداد السياج الذي يحيط بالأشغال داخل الكاتدرائيّة.

7- طالت مدّة التحضيرات بسبب ضرورة التفكير بتفاصيل العمليّة ومناقشتها. وافق الجميع على وجوب نقل "نسيج هولندة" القديم إلى المتحف، نظرًا إلى حالته الهشّة والقذرة. وماذا يكون نصيب الرقع؟ عليها، مبدئيا، أن تلقى المصير نفسه. فهل هذا يعني أنّه يجب وضع رقع أخرى جديدة مكانها؟ تُرك الباب مفتوحًا في هذا المجال، وستتخذ القرارات النهائيّة بحسب سير الأعمال، مع أنّ الاقتراحات التي رُفعت إلى البابا في العام 2000 أجابت بالنفي، وقد وافق عليها حارس الكفن والبابا.
أدركنا بسرعة بأنه لا لزوم لمتابعة النقاش. في الاجتماع التحضيري الأخير، عرضت ميختيلد فلوري لامبرغ نموذجًا من العمل الذي سوف تقوم به. على قطعة قماش تشبه قماشة الكفن (أعدّه وصبغه بييرو فيرتشيلي) تمّ تقليد ثقوب الحريق الموجودة على الكفن، ثمّ وضعت، تحت الثقب، قطعة من البطانة التي ستحلّ مكان "نسيج هولندة" القديم، وتمّ وصل القطعتين بنقاط خياطة تكاد تكون غير مرئية. وافقت اللجنة بالإجماع على النتيجة المقنعة، وأعادت، فورًا، تأكيد قرارها الأساسي القاضي بنزع الرقع نهائيًا، من دون استبدالها. لن أزعج القارئ بتفاصيل العمل الإعدادي الذي أدّى إلى النتيجة النهائية. القول بأنّ عملاً رائعًا تمّ إنجازه لا معنى له، ولكن، على المستوى البشري، يمكن القول إن كل شيء قد بذل لتجنّب المخاطرة، ولعدم ترك الأمور للصدف. 

8- بقي همّ كبير: توثيق جميع المجريات، وتجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات لوضعها بمتناول المجتمع العلمي. عند انتهاء العمل، سيتجدّد مظهر الكفن، جزئيًّا، غير أنّه لم يكن في الوارد إقامة عرض علني جديد لتمكين العدد الأكبر من الناس بمشاهدته. لذا، كان من الضروري إعداد مجموعة من الصور الجديدة لتوزيعها في أسرع وقت. إضافة إلى ذلك، أثناء سير العمل، وما أن يتمّ نزع الرقع و "نسيج هولندة"، ستصبح الجهة الخلفيّة للكفن بمتناول النظر، وهي تكون مخفيّة عادة. لكنّ هذا الانكشاف لن يكون إلاّ مؤقتًا لأنّه من الضروري وضع بطانة جديدة. لقد استطاعت قماشة الكفن المحافظة على متانتها، رغم كلّ الظروف التي مرّت بها، ومع هذا، ما زالت بحاجة إلى قماشة إضافية توضع على الجهة الخلفيّة لتسندها، وكي يسهل التصرّف بها أثناء العروضات، وبالأخصّ للمحافظة على تثبيت الاجزاء المحروقة أثناء حريق العام 1532. وما أن توضع البطانة، حتى تعود الجهة الخلفيّة للكفن إلى ما كانت عليه، فتبقى غير منظورة لمدّة لا يعرف أحد كم ستدوم.
وارتأينا أنّه من المستحسن توفير الصور بقياسات مختلفة. وقد كلّف ستوديو جياندورانتي Giandurante الذي نفّذ الصور الرسميّة سنتي 1997 و 2000 بتنفيذ الصور المعتمدة الجديدة للجهة الأماميّة للكفن ( بواسطة آلات تصوير تقليدية ورقمية) وللمرّة الأولى، (وربّما المرّة الوحيدة لوقت طويل) الصور المعتمدة للجهة الخلفيّة للكفن كاملة، بالإضافة إلى صور مفصّلة لمناطق صغيرة ومحدّدة منه. كما تقرّر أن يقوم فريق باولو سواردو Paolo Soardo التابع للمؤسّسة الالكترونيّة الوطنيّة غاليليو فيراريس Galileo Ferraris الذي سبق ونفّذ تصويرًا بالأشعّة scanning لجزء من الكفن، العام 2000، أن يقوم بتصوير كامل بالأشعة، للجهة الأماميّة للكفن وللجهة الخلفيّة على حدّ سواء. بينما يتولّى جوليانو ماركيشيانو Giuliano Marchisciano   بأخذ الصور الثابتة لمراحل العمل الأساسيّة لوضعها في التقارير اللاحقة. أمّا التغطية التلفزيونيّة للحظات الأكثر تعبيرًا فكلّف بها دانييل داريا Daniele D’Aria وفيتوريو بيلليرا  Vittorio Billeraمن شركة التلفزيون تيليسوبالبينا Telesubalpina .

9- تمّت أيضًا مناقشة إمكانية الحصول على معلومات إضافيّة، فوجب، كما في العادة، مراعاة الوقت المحدود، وحالة الكفن بحدّ ذاته، وتجنّب أي مجازفة. تجنبنا، مثلاً، استعمال مطيافية أشعة إكس الوميضية X-Ray fluorescence spectroscopy لأنّها تقنية دقيقة، ولأن نتائج الفحوصات التي تمت العام 1978 ما زالت موجودة. غير أنّ اللجنة قرّرت استعمال تقنية الانعكاس reflectance (الأشعة فوق البنفسجيّة والمرئيّة) والوميض fluorescence   وأطياف رامان Raman spectra . ونوقشت مطولاً إمكانيّة اخذ عيّنات صغيرة من الجهة الخلفيّة للكفن، لكنّ الرأي العام في اللجنة استبعد هذه الفكرة، لأنّ المبدأ المعتمد هو الاكتفاء بالمشاهدات البصريّة. لكنّ بعضهم لفت النظر إلى استحالة القيام بأبحاث على الجهة الخلفيّة قبل مرور زمن طويل، لذلك وجب اقتناص الفرصة المتاحة. تمّ التوصل إلى حلّ وسطي، وسمح الكردينال بوليتو بأخذ بعض العيّنات بواسطة الشريط اللاصق فقط، وشفط الغبار اللازمة للفحص من المنطقة ذاتها، دون غيرها، ووضع كلّ ما تمّ أخذه بتصرّفه، في أرشيف الكفن الخاصّ. لكنّ الأحداث اللاحقة أظهرت بأنّ النقاش المستفاض حول هذا الأمر كان يمكن الاستغناء عن قسم منه،بعد أن تمّ الحصول على كميّة غير متوقّعة من المواد، وجدت بعد نزع الرقع وتنظيف الثقوب الناتجة عن الحريق، يمكن استعمالها في الفحوصات اللاحقة.

10- أحد فصول القصة يتعلّق بإعداد الأدوات اللازمة لاستعمالها في مختلف المراحل. تمّ استعمال "أريكة ميكروتكنيكا" الذي يلقى الكفن عليها عادة، وضعت على طاولة متنقلة، تعمل كالأرجوحة، وتمتصّ الصدمات، تقدّمت بشكل ناعم لاجتياز المسافة القصيرة الفاصلة بين الكنيسة والسكريستيا الجديدة. ظلّت الطاولة المتنقلة في السكريستيا الجديدة حيث كانت توضع عليها "أريكة ميكروتكنيكا" تارة، وطورًا "أريكة بودينو" Bodino ، بالإضافة إلى طاولة احتياطيّة كانت استعملت في الأعمال السابقة وبقيت هناك، مناسبة لاستعمالها في مرحلة التصوير الأولى. أمّا مشكلة المسح الضوئي، وتنقلات آلات التصوير فوق مساحة الكفن، فقد سويت بوضع جسر متحرّك على الطاولة الأرجوحة، صنعته شركة ADL في العام 2000.  تطلّبت أعمال الخياطة وضع مساحة قاسية وملساء، تحت الكفن وبطانته الجديدة، لتمكين أبر الخياطة المعكوفة من العودة إلى مرأى الخياطات. لذلك أضيف لوح من الزجاج على "أريكة بودينو" لوضع البطانة الجديدة عليه، ومن ثمّ قماشة الكفن. قامت إيرينه توميدي بتركيز مجهر ڨيديو (تكبير من 80 إلى 450 مرّة) مع مركبات بصرية موضوعة على طرف سلك من الألياف الضوئية، ومجهّز بشاشة للمراقبة، وطابعة، مع إمكانيّة التسجيل الرقمي، ما يساعد على رؤية تفاصيل القماش بشكل جيّد، والتمييز بين المواد الملوّثة وآثار الدم، ويضمن القيام بعملية تنظيف للقماشة، من قبل العاملين، خالية من الأخطار. أضيف إلى كلّ هذه الأدوات شفاط  خفيف للغبار، وبخاخ يعمل بالتردّدات الصوتيّة، ومجموعة من لوحات زجاجية صغيرة، وأثقال من الرصاص استعملت لشدّ الكفن بشكل خفيف، بهدف "تمليس" الطيّات. استعملنا كميّة كبيرة من ورق الأرزّ الياباني، الخالي من الأسيد، لحماية قماش الكفن، وقطعة كبيرة من ورق الميلينكس Melinex (16)، متينة ويمكن نزعها بسهولة، لنقله من "أريكة" إلى أخرى.

 

11- جرى برنامج الصيانة على ثلاث مراحل :
أولاً، نزع قماش الدعم القديم، المسمّى "نسيج هولندة"، والرقع، وشدّ الطيّات الموجودة على الجهة الخلفيّة من الكفن (21– 25 حزيران).
ثانيًا، التصوير، والقياس الضوئي، ومسح الجهة الأماميّة والجهة الخلفيّة للكفن على حدّ سواء ( 26 حزيران– 15 تموز).
ثالثًا، وضع قماش الدعم (البطانة) الجديد، بداية على ثقوب الحريق، ثمّ على الجوانب؛ أخذ الصور النهائيّة للكفن المرمّم؛ قياس الكفن بحالته الجديدة ( 16 – 23 تموز).
تضمنّت المرحلة الثانية، وهي الأطول، بالإضافة إلى ما ورد ذكره سابقًا، إعداد قماشة البطانة الجديدة، وخياطتها بالقطبة الكبيرة على الجهة الأماميّة للكفن، فقط، للتأكّد من أنّ مسح الجهة الأماميّة سوف يعطي الصورة النهائيّة للثقوب التي سبق وغطّتها البطانة.
وفي ما كان البرنامج الموضوع يأخذ مجراه، كانت الخياطتان تتقدمان في العمل، بينما العمال التقنيون يتأخرون. الخياطتان هما: ميختيلد فلوري لامبرغ وإيرينه توميدي. سبق وتمّ دعوة  الأولى للمشاركة في إعداد عمليّة تأريخ الكفن بواسطة الكربون 14، في الثمانينيات. تركت المجموعة فيما بعد، لكنّها عادت العام 1992 ، ولم تتغيب عن أي اجتماع منذ ذلك الوقت. تعدّ اليوم من أهمّ الاختصاصيين في موضوع قماشة الكفن. أمّا إيرينه توميدي، فقد تلقّت تدريباتها تحت إدارتها، في مدرسة الترميم التابعة لمؤسّسة أبيغ Abegg  في ريجيسبرغ، قرب بيرن (سويسرا)، وعملت كمرمّمة في جميع انحاء إيطاليا، في العشرين سنة الأخيرة. ساد جوّ من الاتفاق التام بين المرأتين. وكانت الدكتورة فلوري لامبرغ تكرّر باستمرار أنّها لا تقلّل أبدًا من الصعوبات التي ستواجهها في عملية فك القطب. منذ البدء بالعمل، شكّلت القطب الرائعة والمتقاربة جدًّا، التي نفذّتها الراهبات الكلاريات، لخياطة الرقع و "نسيج هولندة" على الكفن، عنصرًا غامضًا. وقد أتتنا مساعدة غير متوقّعة، بشخص بيار لويجي بايما بولوني Pier Luigi Baima Bollone الذي قدم مباضع صغيرة، محدّدة الرأس، وحادّة للغاية، صنعت المعجزات بين أيدي الخياطتين المتمرستين، وحلّت مكان مقصّات الخياطة التقليديّة، الغير عمليّة، التي كانت تعمل ببطء، ولا يمكن الوثوق بها.
كان العاملون على القياسات من الخبراء الذين أتى بهم بييرو ساڨارينو Piero Savarino ، وهما الدكتوران تاليابييترا Tagliapietra وكورسيCorsi  لأطياف رامان، والدكتوران بيليغرينو Pellegrino وكالديرونيCaldironi  لقياسات الانعكاس والوميض، بالإضافة إلى فريق پاولو سواردو للمسح، المؤلّف من جيوسيبي روسي Giuseppe Rossi وپاولا ياكوموسي Paola Iacomussi وناتاليا بو Natalia Bo . الصور المأخوذة بتقنية الوميض نفّذها دييغو امبرودجو Diego Ambroggio وكارلو ماركيزي Carlo Marchese ، المفتشان التابعان لقسم الدكتور ماوريتسيو شيليا Maurizio Celia في شرطة تورينو العلميّة. 

12- الاكتشاف الأكثر إثارة بان عندما تمّ فكّ قطب الرقع، حيث ظهرت جيوب فيها بقايا محترقة ونفايات مغبرة، وكان ذلك تأكيدًا على ضرورة أعمال الصيانة الجارية.  ولكن، في هذه الحال، برزت مشكلة تجميع هذه المواد، بخاصة وأنّ الجزء الأكبر منها من عمر الكفن أو، على الأقلّ، كان ملاصقًا له لمدّة قرون من  الزمن. قدّم بييرو سافارينو، المستشار العلمي للحارس البابوي للكفن، مجموعة من الأوعية الزجاجية الصغيرة، وُضعت عليها ملصقات بأسماء المواد المتنوّعة التي جُمعت من أماكن مختلفة على الكفن، كما تمّ تسجيل كلّ ذلك على خريطة، هي عبارة عن صورة بالحجم الطبيعي للكفن، وهي الخريطة نفسها التي سبق واستُعملت في أعمال العام 2000 . استُعملت خوارط عديدة للكفن، في تلك المرحلة، لأغراض مختلفة، لأنّ المعلومات المستقاة كانت من جميع الأنواع والأشكال، وكان من الضروري ضمان تعريف مؤكّد لكلّ منها.
وقد تم كتابة جميع تفاصيل العمليّات اليوميّة، في سجلّ خاصّ، من قبل أمينة سرّ اللجنة، الأخت ماريا كلارا انطونيني Maria Clara Antonini ومعاوناتها. غير أنّ بعض الظروف أملت علينا المصادقة عليها من قبل حافظ ختم رئيس الأساقفة، الذي هو كاتب عدل المحكمة الكنسيّة المختصّة بشؤون الكفن. وهذا الذي حصل عندما لاحظنا خيوطًا صغيرة متدلية من الجهة الخلفيّة للكفن، سببها التفاوت الحاصل في أطراف الكفن الأربعة، نصحت الخياطات بنزعها. ما من شيء له علاقة بالكفن يمكن اعتباره بلا قيمة، وأيّ شيء يمكن أن يكون ذا قيمة للأبحاث. لذلك، كان من الضروري ضمان أصالة أيّ قطعة صغيرة او شظية تعود للكفن. وهو ما حصل بالنسبة للعيّنات الصغيرة المشار إليها أعلاه (مقطع 9 ). كذلك، دقّق حافظ ختم رئيس الأساقفة في عمل التوثيق، وجمع الأوعية الزجاجية الصغيرة في حاوية كبيرة، وضع عليها ختم المطران. وهو بنفسه أخذ المواد الموضوعة بتصرف الكرسي الرسولي، والحارس البابوي للكفن ، والعلماء، لإجراء أبحاث مستقبلية، عندما يرتأي البابا ذلك.

13- لقد كشفت عمليّة نزع الرقع عن حقيقة الأضرار المذرية التي خلّفها حريق العام 1532. ومع أنّه تمّ كسب مساحة قماش إضافيّة(17) لأنّ الراهبات الكلاريات كنّ قد طوين طرف القماش المتضرّر نحو الداخل، لكنّه وجب إيجاد حلّ بالنسبة لأطراف الثقوب المتفحمة. كثير من القماش أضحى فتافيت تحولّت إلى مسحوق متفحّم ناعم تحت الرقع. بدا واضحًا بأنّ عملية التفحّم استمرّت وما زالت (وهو ما توقّعه أدلير). في هذه الحال، ما هو أفضل عمل نقوم به؟ لو قمنا بقصّ الأجزاء المتفحّمة للوصول إلى القماش غير المعطوب، لأتت النتيجة مدمّرة للكفن، والمظهر النهائي غير طبيعيّ.  فتقرّر استعمال ملاقط رفيعة لسحب المادة السهلة الانتزاع، وصولاً إلى الأطراف البنيّة، التي تذكّر بالكارثة القديمة. فكانت النتيجة قماشًا غير متضرّر من تطفّل الرقع، لكنّه ما زال متميزًا بتلك الأطراف البنيّة الرقيقة، الشبيهة بآثار الندوب التي يخلّفها حدث مفجع.

14- بدأت المرحلة الثانية للعمليات مع قلب الكفن لمعاينة الجهة الخلفيّة منه، وانتهت بالعمليّة العكسيّة، فأكّدت المعاينة نتيجة المسح الجزئي للكفن الذي تمّ العام 2000 .
بان الدم كلّه على الجهة الخلفيّة، بعد أن مرّ بين الخيوط بشكل كامل، بحيث كان من الممكن التعرّف على ما يقابله من الجهة الأماميّة. لكنّه لا يوجد على الجهة الخلفيّة أيّ أثار واضحة لشكل الجسم. النقطة الوحيدة القابلة للنقاش تتعلّق بآثار الوجه، لأنه، على الجهة الخلفيّة، بدا من الممكن التعرّف على خصلتي شعر. لذلك، تمّ جمع التفاصيل بعناية فائقة، بواسطة مختلف أنواع الأجهزة. وبانتظار نتائج التحاليل على هذه المعطيات، تمّ الاتفاق على القول بأنّ ما كان يبدو آثارًا للوجه في هذا الموقع المحدّد والوحيد على كامل مساحة الكفن، قد يكون سببه أنّ خصلتي الشعر عليهما آثار دم انتقل من مكان الوجه الموجود على الجهة الأماميّة، وأنّه، في هذا المكان بالذات، وخاصّة على الجانب الأيمن، هناك شريط غامق اللون على القماش، سببه بعض التلوّث.

15- في بعض الأيام أنجز عمل قليل، بسبب المشاكل في تنسيق العمليّات، لا سيما بالنسبة لمدّة تسليم الأجهزة. لكنّ الوقت الضائع لم يذهب سدى، إذ كان بالإمكان ملء الفراغ بأعمال أخرى، مثل تحديث الوثائق، أو شدّ الجهة الخلفيّة للكفن. برزت أكبر المصاعب مع إعداد عمليّات المسح. كيف يمكن تغطية مساحة الكفن الكبيرة كلّها، والاستفادة من جميع المعطيات، مع اقتراب موعد الاجازات، واستحالة الاستمرار في استعمال المعدّات ما بعد شهر تموز؟ لذلك، تمّ الاكتفاء بالمسح على قياس A4 (18) فقط، وبالتالي، وجب القيام بمائة وصورتين لكلّ من الجهتين. استعمل الوقت الفارغ بين ساعات العمل لنسخ المعلومات المحفوظة. أترك للمشغلين أنفسهم وصف المفاجآت العديدة التي صادفتهم أثناء تأدية عملهم، وذلك في مكان أنسب.
ليس بالإمكان الآن، في هذا المنشور، إظهار عدد مقبول من صور المسح، لأنّ الوقت اللازم لتجهيز النتيجة، والتعريف على كلّ صورة، يتخطّى الوقت المحدّد لإعداد هذا العرض الأوّل السريع لكلّ ما تمّ إنجازه.

16- البطانة الجديدة التي يستند إليها الكفن هي قطعة من الكتّان الخام، قدّمتها ميختيلد فلوري لامبرغ، كان والدها ابتاعها في هولندة ("نسيج هولندة" آخر) منذ حوالي خمسين سنة، لاستعمال منزليّ لم يحصل. غسلتها مرّات عديدة لتليينها وتجنيبها أي تمدّد أو تقلّص يمكن حصوله لاحقًا، لكنّها لم تبيّضها، ولم تصبغها. إنّها إذًا قطعة قماش غير معالجة بمواد كيميائية، لونها عاجي كثيف، يظهر بخفة من خلال الثقوب التي خلّفها حريق العام 1532 .  نسيجها عادي، وأقلّ دقّة من نسيج الكفن، لذلك من السهل التمييز بينها وبين الكفن.

17- الصور التي التقطها فريق جيان كارلو دورانتي، المؤلّف من جيوسيبي كاڨالي Giuseppe Cavalli و دانييلي ديمونتيDaniele Demonte  و تيتسيانا دورانتي Tiziana Durante ، بناءً على نصائح نيللو بالوسينو Nello Balossino ، لم يتيسّر لها التسهيلات ذاتها التي كانت موجودة العام 2000، لكنّها برهنت على أنّ الثقة الكاملة في هذا الاستديو، الذي اكتسب خبرة أساسيّة مطلقة في مجال تصوير الكفن، هي بمكانها. لقد تمّ تصوير الجهة الخلفيّة للكفن بينما كان ملقى على "الطاولة الثالثة" التي تسندها أقدام صغيرة، منحنية بقيمة 105 درجات بالنسبة إلى آلة التصوير التي كانت موضوعة على منصّة؛ فيما تمّ تصوير الجهة الأماميّة، عند الانتهاء من جميع العمليّات، والكفن ملقى على الطاولة المتحركة، بوضعيّة عموديّة بالنسبة إلى آلة التصوير، المركبة على قاعدة مثلثة الأرجل. وكما فعل العام 1997 والعام 2000 ، تخلّى جيان كارلو دورانتي بسخاء عن حقوقه، ما جعل أبرشية تورينو المالكة الوحيدة لحقوق التصرّف بالصور المأخوذة. أمّا مجهر إيرينه توميدي فقد سمح بالتعرّف على بعض تفاصيل الكفن البالغة القيمة. وضعت العدسة على الجسر المتحرّك، للتمكن من تحريكها من مكان إلى آخر، حيث تبقى ثابتة أثناء التصوير. إتّجه الانتباه أولاً نحو الأماكن التي فيها أكبر كميّة من الدم، وفهمنا فورًا أهميّة الاحتفاظ بهذه الصور المعبّرة للغاية، بواسطة تسجيلها على الأشرطة الرقمية، فحرّكت مشاعر عميقة في نفوس الذين تسنّى لهم الاطلاع عليها، وترسّخ أثرها في النفوس، بعد مشاهدة الفيلم الذي تمّ إنتاجه، إنطلاقًا من التسجيلات المأخوذة. تمّت الطباعة الفوريّة لجميع الصور التفصيليّة التي أثارت اهتمامًا خاصًّا، بواسطة وصلة مباشرة مع الطابعة.
استُعمل المجهر نفسه لتسجيل التفاصيل الموجودة على بعض الأقمشة الأخرى، التي جيء بها من متحف الكفن المقدّس، كانت قد استُعملت في محاولات سابقة لتقليد الصورة الموجودة على الكفن، بهدف مقارنتها مع القماش الذي يحتوي الصورة الحقيقيّة.

18- في نهاية المرحلة الثانية، تمّ تفكيك الجسر الموضوع على الطاولة المتحركة. صمّمه جياني أردوينو Giangi Ardoino ونفّذته شركة ADL بسرعة قياسيّة(19)، وتبيّن أنّه إحدى الأدوات الأكثر نفعًا. كان يتحرّك بالطول، على السكك الموضوعة على أطراف الطاولة المتحركة، وفي الوقت نفسه، كان يتحرّك بالعرض، موفرًا تغطية كاملة للكفن، وتُسند عليه الادوات المستعملة بين الحين والآخر، مثل السكانر،  والعدسة أو كاشف المجهر الفيديو، والكاميرا الوميضيّة، والكشافات التابعة لجهاز المطياف الضوئي. كان هناك شريطان في آلة رقمية لقياس المسافات، يسجلان بشكل أوتوماتيكي، في أيّ نقطة يجري العمل فيها، الطول والعرض والارتفاع. 
لم يكن بمقدور الجسر حلّ كلّ المشاكل، وكان العاملون ينزعجون عند اضطرارهم إلى التحقّق من قدرة السكانير على التصوير، في حال كان وضعه مقلوبًا، لكنّه من المؤكّد أنّ عددًا كبيرًا من اللقطات كان مستحيلاً لولاه.

19- جرت المرحلة النهائيّة من عمليّة الترميم على أيدي الخياطتين، فأضحى معظم أعضاء اللجنة عاطلين عن العمل. نفّذت ميختيلد فلوري لامبرغ خياطة كتّان الكفن على قماشة السند الخلفيّة، وتأكّدت بأنّهما مرتبطتان بشكل متين، فيما ركّزت إيرينه توميدي على تثبيت ثقوب الحريق على قماشة السند. كانا يعملان على قدم وساق، وكانت قطب الترميم غير ظاهرة، إلى درجة أنّ الذين كانوا ينظرون إلى ما تفعلانه كانوا عاجزين عن تمييز الثقوب التي تمّ تثبيتها من التي لم تثبّت بعد. كانت الابر رفيعة جدًّا، ومعكوفة بعض الشيء، وخيوط الحرير متينة، لكنّها كانت غير مرئية، مثل "شعر الملاك". سمح فحص الصور بتقييم دقّة الخياطة حول الثقوب.
استُعمل خيط أسمك لخياطة أطراف الكفن وقماش السند. صادفتنا صعوبة صغيرة في الأمكنة التي نُزعت فيها أجزاء من الكفن (في الماضي البعيد) لا سيما عند أطراف القطعة الجانبية، الظاهرة عادة في الأعلى، عندما يُعرض الكفن للجمهور(20). كانت قطعة القماش الهولندي القديمة تمتدّ على طول الكفن، وكان لا بدّ الآن من معالجة وضع الأجزاء الناقصة. لم تكن المهمّة سهلة، لأن شكل الكفن ليس مستطيلاً كاملاً، بل هو متباعد في زواياه الأربع. لحسن الحظ، وبفضل خبرتهما، تمكّنت الخياطتان من حلّ المشكلة. وكان الكردينال پوليتو، يرافقه المونسينيور روميو Romeo ، القاصد الرسولي في إيطاليا، الذي كان يقوم بزيارة إلى تورينو، أوّل من هنّأ الخياطتين على ثمرة جهودهما.

20- كلّ الذين تأملوا الكفن، الآن، فرحوا لمنظره الجميل والمريح. بقيت آثار المعاناة شاهداً على المتاعب التي لاقاها هذا القماش المقدّس، عبر القرون، في تنقلاته من يد إلى أخرى. لكنّ هذا الماضي المفجع بدا وكأنّه أخذ هالة من الصفاء في قبول الإهانات التي لم تعد تحاول التستّر، بل وقفت إلى جانب هذا الشاهد العظيم للعذابات الظاهرة على هذه الصورة. كان الكفن ما زال هو نفسه، ولكن بحلّة جديدة مفرحة، بعد تخلّصه من الطيّات التي كانت تعطيه مظهرًا عدائيًا عنيدًا شاب القماشة إلى حدّ بعيد.
هل أثّر هذا التجديد في المظهر على قياسات الكفن بحدّ ذاته ؟ أوّل الدلالات على هذا الأمر، كان التغيير البسيط الذي كشفته آلات السكانر، لأنّه وجب عليها إعادة حساب الأطراف المتداخلة في كلّ عمليّة مسح. وقد تمّ التدقيق، لدى الانتهاء من الترميم، من أجل وضع قياسات الكفن النهائية في شكله الجديد.
القياسات التي أخذها برونو باربيريس Bruno Barberis وجيان ماريا زاكونيGian Maria Zaccone  أظهرت فارقًا من عدّة سنتيمترات مع القياسات التي أخذاها العام 2000 . وكان قد لوحظ سابقًا بأنّ قياسات الكفن عرضة للتغيير، بحسب نسبة الشدّ الذي يتعرّض له القماش. وهذه بعض المعطيات التي تعطي فكرة عن الفروقات:
إستنادًا، مرّة أخرى، إلى وضعيّة الكفن أثناء العروضات العلنيّة (صورة الجسم من الأمام إلى يسار المشاهد، وصورة الجسم من الوراء إلى يمينه) بلغ طول الطرف السفلي 437.7 سنتم عام 2000 و 441.5 سنتم عام 2002 ؛ وبلغ طول الطرف العلوي  (الأقلّ تعبيرًا، لأنّه يتمّ قياس طول البطانة بالفعل، بعد أن تمّ نزع جزئين من القماش الأصلي في الماضي) 434.5 سنتم العام 2000 و 442.5 سنتم العام 2002 ؛ وبلغ عرض القماشة (ومغزاها نسبي للأسباب المشار إليها أعلاه) 112.5 سنتم على اليسار، و 113 سنتم على اليمين العام 2000 ، و 113 سنتم على اليسار، العام 2002، و 113.7 سنتم على اليمين، العام 2002.

21- تقدّم هذه النشرة المعلومات الأولى للقصّة التي رويناها، وتقدّم الصورة الشاملة مظهر الكفن الجديد. يمكن متابعة مجرى الاعمال، بطريقة تحليلية، بفضل التفاصيل المتتالية المعطاة. تظهر بعض الصور الأمكنة التي خضعت للترميم، وبعض الذين شاركوا فيها. هناك أيضاً بعض الصور القليلة التي أخذت بواسطة السكانر، مقدّمة النشرة العلميّة التي ستصدر لاحقًا، والتي ستتوّج جميع الأعمال.

كلّ الذين شاركوا في مجموعة العمليّات ممتنون للهبة التي أنعم بها الربّ عليهم، ولثقة الكرسي الرسولي والحارس البابوي للكفن فيهم، وللمساعدة التي أمّنتها لهم مجموعة لا تحصى من المعاونين والاصدقاء.

 

* نقله إلى العربيّة: يوسف ميشال دكاش، عن النصّ الفرنسي المنشور في
Revue Internationale du Linceul de Turin, No.25, avril 2003  

** هو عالم بيبلي، عيّنه الكردينال سيفيرينو پوليتو،  رئيس أساقفة تورينو، والحارس البابوي للكفن المقدّس، في العام 2002 ، رئيسًا للجنة الأبرشيّة للمحافظة على الكفن، المؤلّفة من ستة عشر عضوًا.

 

1- ملاحظة الناشر: هي أريكة خاصّة، صنعتها شركة ميكروتكنيكا الإيطاليّة، خصّيصًا لبسط الكفن عليها.
2- م. ن.: مذخر صمّمته شركة ألينيا Alenia
الإيطالية للملاحة الجويّة، خصّيصًا لوضع الكفن فيه.
3- م. ن.: هو المطران مينو لانزيتي Mino Lanzetti
النائب الأسقفي على أبرشيّة تورينو.
4- م. ن.: عرض العام 1998 ، بمناسبة مرور مائة عام على التقاط الصورة الأولى للكفن على يد سكندو پيا، وعرض العام 2000 بمناسبة اليوبيل الكبير.
5- على أثر إعلان نتيجة الكربون 14، توجّهت مشاريع الكردينال باليستريرو (رئيس أساقفة ميلانو السابق، الذي تولّى إعلان النتيجة) في الاتجاه ذاته. وقد ذكّر الكردينال بهذا الأمر عدّة مرّات، حتّى بعد تقاعده.
6- م. ن.: تقع مدينة بيانيتزا شمالي غربي تورينو، وتبعد عنها حوالي 12 كيلومتر.
7- م. ن.: ألّف الكردينال ميشال بيليغرينو، رئيس أسافة تورينو في تلك الأيّام، لجنة علميّة من إثني عشر عضوًا، دعاها إلى الاجتماع ثلاثة أيّام، امتدّت من 16 حزيران العام 1969 حتّى 18 منه، مع بعض المدعوين، للنظر في حالة الكفن ووضع الخطط اللازمة للمستقبل.
8- م. ن.: هو انطونيو برتولا (1647-1719) مصمّم المذبح.
9- م. ن.: هو الراهب التياتيني، غوارينو غواريني (1624-1683) مهندس كابيلا الكفن المقدّس وقبّتها.
10- م. ن.: هو أندريا برونو (1931-...) مصمّم النصب، وقد بلغت تكاليفه 300 مليون لير إيطالي، نظرًا إلى تقنيات الحماية المتطورة التي استعملت فيه.
11- في ظلّ غياب الكفن عن المكان، قام كارلو ستروبيانا Carlo Stroppiana
، المسؤول عن القسم التقني في اللجنة، بتنفيذ بعض الاصلاحات على نظام الرقابة.
م. ن. جناح الكاتدرائية هو الجزء الذي يتقاطع مع الصحن nef
على شكل زاوية قائمة، وهو يفصل الصحن عن المذبح.
12- أراد الأب رينالدي المشاركة في عمليّة نقل الكفن إلى الخورس، فغادر الولايات المتحدة ووصل إلى تورينو، لكنّه نُقل بشكل طارئ إلى مستشفى كوتولينغو، حيث توفي في الجناح المخصّص للكهنة، في 28 شباط العام 1993، أربعة أيّام بعد إتمام عمليّة نقل الكفن، ووضعه في النصب الزجاجي.
13- هي  بطانة خيطت بالقطبة الصغيرة، العام 1534، بيد الراهبات الكلاريات، بهدف شدّ نسيج الكفن عليها، لتلتصق به تمامًا، وتصبح سندًا له، وبالتزامن مع الرقع التي وضعت على الخروق التي سبّبها الحريق في شامبيري.
14- يقترح التقرير المؤرّخ في 10 تشرين الثاني، العام 2000، إزالة الرقع، و "نسيج هولندة"... وتصليح أطراف الثقوب المحروقة، ووضع بطانة جديدة. ويقول التقرير بأنّ الاقتراحات المقدّمة تؤدي إلى تحسينات كبيرة في حالة الكفن، وهي نابعة من الاقتناع بأنّ حالته الراهنة تهدّد حظوظه بالبقاء سليمًا. لا تغيب عن بال الموقّعين التأثيرات الثقافيّة لهذه الاقتراحات، لكنّهم يعرضون هذا الأمر لأنّهم يرون فيه شيئًا مفيدًا للكفن، وهم مقتنعون به، ليس إلاّ.
15- على أثر الحريق الذي حصل العام 1997، وبعد أن تمّ نقل الكفن إلى خارج الكاتدرائيّة، أبلغت الشرطة تحذيرًا مفاده بأنّه ليس هناك من مكان آمن يمكن حماية الكفن فيه بالكامل، وأنّ أفضل وسيلة للدفاع عنه تكمن في التزام الصمت، لأنّ الذي لا يعرف لا يتعرّض لتجربة الإساءة.
16- م. ن.:  الملينكس شريط (فيلم) معالج من الجهتين كي لا ينزلق من يدي الماسك به، يمتاز بدرجة عالية من النقاوة واللمعان.
17- سنتيمتر واحد حول الرقع، كمعدّل وسطي، ولو اختلفت القيمة من موضع إلى آخر.
18- م. ن.: قياس A4
يعني قياس مستطيل طوله 29.7 سنتم وعرضه 21 سنتم.
19- أنطونيو غاي Antonio Gay
الذي بدأ بتنفيذ الجسر توفي بعد أيّام قليلة من نهاية عملنا.
20- يوصف الكفن عادة كما يبدو في العروضات العلنيّة، فتبدو صورة الجسم من الأمام إلى يسار المشاهد، وصورة الجسم من الوراء إلى يمينه. لقد تمّ خياطة قطعة جانبيّة ضيّقة على طول الكفن، نراها عادة في الأعلى، اقتُطع منها جزء صغير إلى أقصى اليسار، وآخر كبير إلى أقصى اليمين، ولا نعرف متى تمّ ذلك، ولماذا!

|


جميع الحقوق محفوظة للمهندس فارس حبيب ملكي ©
اّخر الاخبار | سؤال و جواب | اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|