اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية

رسالة الأديب الفرنسيّ پول كلوديل Paul Claudel إلى السيّد جيرار كوردونييه Girard Cordonnier
16 آب العام 1935*

سيّدي العزيز

لقد قرأتُ، باهتمام كبير، الكتيِّب الذي تَكرَّمتم بإرساله إليّ، وعنوانه: "آلام المسيح كما يظهرها كفن تورينو المقدّس". توقَّفت مليًّا عند الصور المؤثّرة المرفقة. أتمنّى أن يصل إلى عامّة الناس، وأن يساعد المسيحيّة في فرنسا على وعي أهميّة هذا الحدث الديني، أي اكتشاف صورة كفن تورينو المقدّس، الذي هو على درجة كبيرة من الأهميّة، بحيث إنني أشبِّهها بقيامة ثانية.
أعود بالذكرى إلى هذه الحقبة المشؤومة من التاريخ، التي امتدَّت من العام 1890 إلى العام 1910، لَمّا كنت شابًّا ينتقل إلى مرحلة النضوج، وكانت فترة المذاهب الماديّة والارتيابيّة العدائيّة المنتصرة، التي هيمنت عليها شخصيّة إرنست رينان. كم من جهود بُذلت للتعتيم على ألوهيّة المسيح، ولطمس هذا الوجه الذي لا يمكن احتماله، ولمسح الواقع المسيحي، ولمحو ملامحه، تحت لفائف العِلم والشك المتشابكة! فتفتوا الإنجيل قطعًا صغيرة، حتى أصبح كومة من المواد غير المتجانسة والمشكوك بأمرها، فيقوم كلّ هاوٍ بإعادة تركيبها بطريقة موقتة، لا تخلو من الادّعاء، غرقت فيها شخصيّة يسوع، وضاعت في ضباب فنّ الأدب التاريخيّ والقصصيّ والأسطوريّ. لقد ربحوا، أخيرًا! ولم يعد المسيح يسوع يشكّل إلاّ إطارًا باهتًا، وخطوطًا معرّضة للاختفاء بين لحظة وأخرى. باستطاعة المجدلية التوجّه الآن إلى القبر. لقد خطفوا منها سيّدها.
وها هي قرون تمضي، فتظهر الصورة المنسيّة، فجأة، تحت القماش، بواقعيّة مذهلة. إنّها وثيقة لا يمكن رفضها، وأكثر من ذلك، إنّه حدث واقعيّ. أُلغيت فترة التسعة عشر قرنًا بضربة واحدة، وانتقل الماضي إلى الحاضر. يقول القديس يوحنّا: "ذاك الذي رأيناه بعيننا، ذاك الذي تأمَّلناه، ولمسته يدانا، من كلمة الحياة"(1 يوحنا 1:1). إنِّها ليست وثيقة رسميّة فقط، كما يكون المحضر الرسميّ أو الإفادة الموقَّعة والمختومة: إنِّها صورة طبق الأصل، تحمل كفالتها في طيَّاتها. وهي أكثر من صورة، إنّها حضور! وأكثر من حضور، إنّها صورة مطبوعة وثابتة. وأكثر من صورة، إنّها "نيغاتيف"، أيّ نشاط مخفيّ (شبيهة بالكتاب المقدس، إذا أخذتُ راحتي بالكلام) وقادرة، بواسطة العدسة، أن تظهر الواقع بواسطة "البوسيتيف"! فجأة، سنة 1898، بعد شتراوس، ورينان، وفي عصر لوازي نفسه، وتكليلاً للعمل الجبّار من الأبحاث والتأويل الذي تمّ أبَّان القرن المنصرم، أصبحت صورة المسيح في حوزتنا! هكذا!
إنّه هو! هذا هو وجهه! هذا الوجه الذي تاق العديد من القدّيسين والأنبياء إلى تأمّله، في إثر المزمور الذي يقول: "فيك قال قلبي: التمس وجهه. وجهك يا ربّ ألتمس" (مزمور 8:27). إنّه لنا. منذ الآن، وفي هذه الحياة، صار يحقّ لنا معاينة ابن الله، وجهًا لوجه، وبالقدر الذي نريد! لأنّ الصّورة هذه ليست رسمًا بيد إنسان. لا يوجد بيننا وبين هذا الوجه وسيط بشري. هو نفسه قام بطَبع هذه الصفيحة الماديّة، التي بدورها تَملَّكت روحنا.
أيّ وجه هذا! نتفهَّم هؤلاء الجلادين الذين لم يستطيعوا احتماله، والذين يحاولون، حتّى اليوم، وبقدر استطاعتهم، إخفاءه، للقضاء عليه. أعبِّر عن فكرتي بالقول أنّ ما يعطينا إيّاه هذا الظهور الرائع، أكثر من كونه رؤية الجلال الكاسحة، هو الشعور الذي في داخلنا، تحت الخطيئة، بعدم استحقاقنا الكامل والجذري، ذاك الوعي الذي يغطّي على العدم! في هذه العيون المغمضة، في هذا الشكل النهائي، كما الآثار الابديّة، هناك شيء ما مُدمِّر. كضربة السيف في القلب التي تؤدّي إلى الموت، وتوقظ الضمير. أمرٌ رهيب وجميل، ولا مجال للتملّص منه إلا بالسجود. إنّه وقت التذكير بآية أشعيا الرائعة: "أُدخل في الصخر، وتَوارَ في التراب من أَمام رُعب الربّ، ومن بهاء عظمته" (أشعيا 10:2).
لم أكتب هذه السطور لتسجيل انطباعي الشخصيّ. لا يمكن لأيّ محقِّق، مهما كان مشكِّكًا، معارضة الرأي الذي يقول بأنّ الشخصيّة المحفوظة صورتها على كفن تورينو بشكلّ غريب، فيها، في مظهرها، شيءٌ مذهلٌ وشديد التأثير. نجد بسهولة توافقًا بين وجهي بودلير وبيتهوفن، والانطباع الذي تُولّده فينا أعمال هذين الفنّانين. مَن ينكر أنّه، ما بين القائم من الموت في العام 1898، والشخصيّة التي تتكّلم عنها الأناجيل الأربعة، بحركاتها وخطاباتها، يوجد التوافق ذاته، الذي لا يقبل الجدل؟ وأكثر من ذلك، يتوافق النصّ المكتوب مع النصّ الصوري، ويتطابقان تمامًا مع بعضهما البعض. نشعر بالأصل الذي تبدو أمامه جميع المحاولات الفنيّة أعمالاً من الدرجة الثانية، لأنّها جزئيّة وغير مكتملة، بالرغم من قيمتها الصادقة. إنّ مسيح داڤنشي، ومسيح دورِر ورامبرانت يتوافقون مع بعض مقاطع الإنجيل، أمّا هذا فيتوافق معها كلّها، بل أكثر من ذلك، إنّه يسيطر عليها.
هذا بالنسبة إلى التطابق من الناحية الشخصيّة. لكن ما القول عن التطابق المادّي الدقيق والمفصّل للوثيقة الموضوعة بين أيدينا، مع الرواية المربّعة للآلام؟ جميع العلامات موجودة هنا، مكتوبة وغير قابلة المحو: جراحات اليدين، جراحات الرجلين، جرح الجنب حتّى القلب، جرح الكتف، إكليل الشوك الذي يذكرنا بسؤال بيلاطس: هل أنتَ ملك؟ وآثار الجلد الحقيقيّة التي، إذا نظرنا إليها اليوم، تقشعرّ لها الأبدان. لقد أعادت لنا الصورة هذا الجسد الذي بالكاد تجرأ المتصوفون على النظر إليه، جسد معذّب من أخمص القدمين إلى الأعلى، مغطّى بضربات الكرباج، مرتديًا الجراحات، بحيث أنّ أيّ بوصة من هذا اللحم المقدّس لم تنج من آثار التحقيق الوحشي للعدالة، هذا الجسد الذي انهمرت عليه الألسن المسلّحة بالرصاص و الكلاليب!.. ليست مجموعة من الجمل التي نفكّ معانيها سطرًا سطراً: إنها الآلام كلّها، تُفرش أمامنا دفعة واحدة. حتّى الزمان مكتوب: إنّه المساء، ويجب الإسراع؛ العجلة التي لُفَّ بها بقماشة، هذا الجسد الملطّخ، من دون أخذ الوقت الكافي لتنظيفه، حرصًا على طاعة أوامر السبت الداهم؛ الوقت الذي استغرقته عمليّة اللف والتي تدلّ عليه عمليّة التحلّل المتقدِّم للجثة؛ الواجب المفروض جليًا على أصدقاء المسيح للقيام بترتيبات الدفن الإضافيّة، التي اضطروا إلى تأجيلها بسبب السبت؛ توافر هذا الغطاء المتروك، كما بقايا الحشرة بعد زمان التحسير؛ وأخيرًا، بالرغم من التفسيرات الذكيّة للعلماء الذين اهتموا بالكفن المقدّس، من الصعب أن نرى، في هذه الطبعة السلبيّة المفصَّلة لجسم المسيح، على قماشة غير معدّة لهذا الغرض، وبفضل بعض الطيوب التي وُضعت كيفما كان، ظاهرة طبيعيّة، فقط. ليس لهذه الظاهرة أيّ شبيه في الأمثلة الكثيرة التي لدينا عن عمليّات الدفن القديمة. "خرجت منه فضيلة" وتركت هذا الأثر العظيم. وليس أقلّه دهشة، أَنَّ مختلف الحرائق التي انقضَّت على الكفن، أثناء كلّ هذه القرون والأحداث، قد احترمت الصورة المقدّسة، وشَكَّلت، بآثارها، إطارًا لها.
كما أنَّنا نحفظ التقدير للهيئات المدنيّة والدينيّة التي سمحت، أخيرًا، بفحص دقيق للذخيرة المميزة، ولرجال العلم الذين درسوها بكلّ صدق وحذاقة، أمثال السيّد پول فينيون! وقد آن الأوان لنشر هذه الظاهرة في الأوساط الشعبيّة، وبهذه الصفة أُحيي بفرح العمل المميَّز الذي أرسلتموه إليّ، والذي أتمنّى له أوسع الانتشار.

* نقله الى العربية، فارس حبيب ملكي عن النصّ الفرنسي الأصلي في كتاب:
Paul Claudel, Toi, qui es-tu? Nrf, Gallimard, 1936, 123 pages.

|


جميع الحقوق محفوظة للمهندس فارس حبيب ملكي ©
اّخر الاخبار | سؤال و جواب | اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|