اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية

مسيرة فحص الكربون 14 وكفن تورينو *

فارس حبيب ملكي

 

1- فحص الكربون 14

تنتشر مادة الكربون في الطبيعة، ونجدها في الفحم الحجري والغرافيت والألماز وغيرها من المواد. تشكّل مادة دراسة الكربون ومشتقاته وتفاعله مع المواد الأخرى الجزء الأساسي من تعليم الكيمياء العضويّة.
تتألّف ذرّة الكربون الطبيعي أو الكربون 12 من العناصر التالية: إلكترون عدد 6 ، بروتون عدد 6 ، نيترون عدد 6. تقوم الأشعّة الكونيّة برشق الغلاف الجوّي للأرض، ما يؤثّر على تركيبة غاز النيتروجين أو الأزوت، وهو أكثر الغازات وفرًا في الجو، فيخسر أحد البروتونات، ويكتسب نيترونًا واحدًا، فتتحوّل ذرّة النيتروجين إلى ذرّة مختلفة، سمّيت كربون 14، تتألّف من العناصر التالية: إلكترون عدد 6، بروتون عدد 6، نيترون عدد 8.
لاحظ العلماء أنّ الكربون 14 الذي يتكوّن في الغلاف الجوّي، هو نظير مشعّ isotope radioactif
للكربون 12، ويمتصّه الجسم البشري والحيوانات والنباتات على الأرض، في عمليّة توازن محدّدة.
لَمّا يمتصّ النبات الكربون 14، يتحوّل إلى الكلوروفيل. ولَمّا يمتصّ الإنسان والحيوان الكربون 14، يتحوّل إلى النفايات العضويّة، فيعود إلى الأرض. نتيجة هذا التوازن والتبادل، يحمل الإنسان والحيوان والنبات نسبة ثابتة من الكربون 14، تبدأ بالهبوط مع موت الإنسان والحيوان وقلع النبات من التراب. يتمّ الهبوط بحسب دورة مقدارها 5570 سنة، أي أنّ كميّة الكربون 14 تهبط إلى النصف بعد مرور 5570 سنة على الموت أو القلع. عندما يقوم علماء الآثار مثلاً، بقياس كميّة الكربون 14 الموجودة في الأشياء القديمة، التي غالبًا ما تكون مطمورة، يقومون بعمليّة حسابيّة لإيجاد عمر هذا الشيء.
شكّل هذا الاكتشاف ثورة فعليّة في الطرق العلميّة المعتمدة في علم الآثار، لتأريخ بقايا الأجسام المطمورة. يعود الفضل في هذا الاكتشاف إلى العالم الأميركي ويلارد ليبي Willard Libby
الذي عمل عليه في جامعة شيكاغو، منذ الخمسينيّات، وحصد عليه جائزة نوبل في الفيزياء، العام 1960.
تزامن اكتشاف ليبي مع العثور على مخطوطات قمران، على ضفاف البحر الميت، فتلقّف المجتمع العلمي هذه المصادفة للقيام باختبار عملي لنظريّة ليبي. أرسلت إلى ليبي قطعة من الكتّان الذي لفّت به إحدى المخطوطات لإجراء فحص الكربون 14 عليها. قام الدكتور ليبي بما عليه، وقدّم النتيجة التالية: يعود عمر الكتّان إلى ما بين العام 168 ق. م. و 233 ب. م. أتت النتيجة متوافقة مع المعلومات التاريخيّة والأركيولوجيّة الأخرى، فقبلها المجتمع العلمي، وشكّلت مؤشرًا إيجابيًا للبدء بتعميم طريقة ليبي على المختبرات العالميّة.

2- الكربون 14 وكفن تورينو

ما إن شاع خبر اكتشاف ليبي وتطبيقه بنجاح على مخطوطات قمران، حتّى بادر الأب آدم أوتربايم Adam Otterbeim c.s.s.r. ، من رهبانيّة الفادي، ورئيس رابطة الكفن الأميركيّة، بترتيب اجتماع بين الدكتور ليبي والملك أومبرتو الثاني، مالك الكفن آنذاك، للبحث في إمكانيّة إجراء فحص الكربون 14 على الكفن. حصل الاجتماع في كاليفورنيا، في العام 1950. طلب الدكتور ليبي الحصول على قطعة من نسيج الكفن بحجم كفّ اليد، وأضاف بأنّه سيحتاج إلى قطعة ثانية مماثلة لمقارنة النتائج. بعد المداولات، وافق الجميع على نصيحة الدكتور ليبي الذي قال: "لا فائدة من إتلاف الكفن كي نثبت صحّته" ، وتأجل المشروع بانتظار التطورات اللاحقة.
ما إن عرف بعض المراقبون بأنّ الكنيسة الكاثوليكيّة أرجأت القيام بفحص الكربون 14 على كفن تورينو حتّى قاموا بحملة من الاتهامات والإهانات والشماتات بحقّها، متّهمين المسؤولين فيها بالخوف من العلم، والهرب من نتيجة لن تكون لصالحهم.
لكنّ هذا التريّث له ما يبرّره. فالكنيسة الكاثوليكيّة عملت بنصيحة الدكتور ليبي، وهو المرجعيّة العلميّة الأولى في هذا الأمر. ثمّ أنّ المسؤولين في الكنيسة، المتابعين لملفّ كفن تورينو، أخذوا بعين الاعتبار الأمور التالية:
أ- ما زالت طريقة الدكتور ليبي في بدايتها، وهي بحاجة إلى الاختبار للتأكّد من دقتها.
ب- لا يوجد إلاّ مختبر واحد في العالم أجمع يعتمد هذه الطريقة، وبالتالي، لا مجال لمقارنة النتائج التي يعطيها هذا المختبر مع النتائج التي قد يعطيها مختبر آخر.
ج- يتطلّب الفحص إتلاف العيّنة المقتطعة. عندما يتعلّق الأمر بقماشة ثمينة جدًّا مثل قماشة الكفن، يصبح تردّد صاحبها بالتخلّي عنها أمرًا مقبولاً.
د- يجب تنظيف العيّنة من التلوّث الحاصل على مرّ التاريخ، باستعمال طرق حديثة تزيل التلوّث من دون المساس بكميّة الكربون 14 الموجودة فيها. لكنّ هذه الطرق لم تثبت فعاليتها كفاية، وهناك خطر بأن يبقى بعض التلوّث في العيّنة فتأتي النتيجة مغلوطة.
هـ - يعطي فحص الكربون 14 نتيجة مقبولة عمومًا إذا كانت العيّنة قديمة جدًّا، أي تعود إلى عشرات الآلاف من السنين. أمّا إذا كانت العيّنة تعود إلى بضعة آلاف من السنين، فنسبة الخطأ كبيرة.
و- ليس بالإمكان الاعتماد على هذا الفحص بشكل حاسم، وهو ما يزال فحصًا إستشاريًا. إذا توافقت النتيجة مع المعلومات التاريخيّة والأركيولوجيّة المعروفة عن العيّنة، تكون دليلاً إضافيًا لإثبات صحّة المعلومات المعروفة. وإذا أتت النتيجة مختلفة، يعاد الفحص.
ز – لا تكون النتيجة دقيقة، بل تحتمل هامشًا كبيرًا يكون ما بين مئة ومئتي سنة.

شكّلت هذه الحجج الحافز للمسؤولين كي يتريثوا وينتظروا تطورات جديدة تسمح بالوصول إلى نتيجة أكثر دقة ولها مصداقية أكبر.

3- تطوّر ملحوظ في تقنية الكربون 14

ما أن انتهى العرض العامّ للكفن في تشرين الأوّل العام 1978، حتى دعي العلماء لمؤتمر في تورينو، حيث قام الدكتور هاري غوف Harry Gove من جامعة روشستر في أميركا، بتقديم طريقة جديدة لفحص الكربون 14، أفضل من طريقة ليبي. فبينما عرفت طريقة ليبي بـ PCM أو Proportional Counter Method ما يعني "طريقة التعداد التناسبي" سمّيت طريقة غوف بـ AMS أو Accelerator Mass Spectrometer ما يعني "مطياف تسريع الكتلة". شكّلت الطريقة الجديدة تقدّمًا ملحوظًا، إذ باستطاعتها الاكتفاء بعيّنة صغيرة للفحص لا يتعدّى وزنها بضعة ميلليغرمات، كما أنّها تعطي النتيجة بمدّة لا تتعدّى البضعة أسابيع، في حين كانت طريقة ليبي تحتاج إلى عيّنة كبيرة، ولا تعطي النتيجة قبل عدّة أشهر. إنّها الطريقة المنتظرة والمناسبة لتطبيقها على الكفن! ومع هذا، آثر المؤتمرون التريّث، ريثما يتمّ اختبار الطريقة الجديدة والتعرّف إليها بشكل أفضل.
في شهر آب من العام 1985، إنعقد المؤتمر الدولي للراديوكربون في مدينة تروندهايم – ألمانيا، حيث قدّمت عدّة مختبرات أعمالها التي اعتمدت فيها طريقة AMS
، مكتفية بعيّنات صغيرة الحجم، ومعطية نتائج دقيقة وسريعة. وقد قام ستة مختبرات بتأريخ قطع من القماش يعود عمرها إلى حوالي الألفي سنة، وتوصّلوا إلى نتائج مرضية، وكان لديهم نيّة الحصول على شرف تأريخ كفن تورينو.
كان لهذا المؤتمر وقعًا إيجابيًا في نفوس المسؤولين عن كفن تورينو، فبدأوا يعدّون العدّة لتطبيق الطريقة الجديدة على الكفن، فقاموا بدعوة 22 عالمًا إلى تورينو لدراسة الأمر، عقدوا ورشة عمل امتدّت من 29 أيلول حتّى الأوّل من تشرين الأوّل العام 1986، برئاسة رئيس أساقفة تورينو، الكردينال أنستازيو باليستريرو، يعاونه مستشاره العلمي البروفسور لويجي غونيلا، وأدار الحلقات البروفسور كارلوس شاغاز، رئيس الأكاديميّة البابويّة للعلوم.

4- وضع البروتوكول واختيار المختبرات السبعة

بعد أربعة أيّام من العمل المتواصل، تمّ الاتفاق على جميع الإجراءات: مكان اقتطاع العيّنة، الطريقة التي يجب اعتمادها (PCM أو AMS )، من يقوم باقتطاع العيّنة وكيف، من يوضّب العيّنة وكيف، ومن يختمها، وكيف يتمّ نقلها إلى المختبرات، وكيف يتمّ إعلان النتائج، وغيرها من التفاصيل. وأهمّ شيء هو أنّ المساحة المقتطعة ستكون بحدود العشرة سنتيمترات مربعة، وسيتمّ العمل تحت إشراف المتحف البريطاني، بعد أن تمّ اختيار سبعة مختبرات أثبتت جدارتها بفحص العيّنات الصغيرة، وهي التالية:
1) مختبر جامعة روشستر في الولايات المتحدة الأميركيّة، بإدارة الدكتور هاري غوف.
2) مختبر جامعة توسون في ولاية أريزونا في الولايات المتحدة الأميركيّة، بإدارة البروفسور دوغلاس دوناهو
3) مختبر جامعة بروكهافن في الولايات المتحدة الأميركيّة، بإدارة البروفسور غارمن هاربوتل.
4) مختبر جامعة أوكسفورد في إنكلترا، بإدارة البروفسور تيدي هال.
5) مختبر جامعة هارويل في إنكلترا، بإدارة البروفسور روبيرت أوتليت.
6) المجلس الوطني للبحوث العلميّة في فرنسا، بإدارة البروفسور جان كلود دوبلسّي.
7) معهد الفيزياء في سويسرا، بإدارة البروفسور ڨيللي ڨولفلي.

 

1 University of Rochester - USA Dr. Harry Gove
2 University of Arizona – USA Prof. Douglas Donahue
3 University of Brookhaven – USA Prof. Garman Harbottle
4 University of Oxford – England Prof. Teddy Hall
5 University of Harwell – England Prof. Robert Otlet
6 CNRS – France Prof. Jean Claude Duplessy
7 Institut fur Mittelenergie physic - Switzerland Prof. Dr. Willy Wolfli

 

 

5- إختيار ثلاثة مختبرات واستبعاد الأربعة الآخرين

في الرابع من تشرين الأوّل، أي بعد ثلاثة أيّام على انتهاء المؤتمر، أعطى البابا يوحنا بولس الثاني الإذن للبدء بالتحضيرات التي استمرّت سنة كاملة. وفي 10 تشرين الأوّل العام 1987 تلقّى الكردينال باليستريرو، من أمانة سرّ الڨاتيكان، الموافقة على الإجراءات التي سبق واتفق عليها مع المختبرات، باستثناء أمر واحد، وهو الاكتفاء بثلاثة مختبرات بدل السبعة، لتجنّب اقتطاع قطعة كبيرة من الكفن، والاكتفاء بأصغر عيّنة ممكنة. حينئذ، وقع اختيار الكردينال على مختبر جامعة أريزونا، ومختبر جامعة أوكسفورد، ومختبر معهد زوريخ.
أثارت عمليّة تنحية بعض المختبرات العالميّة عن المشاركة في فحص الكربون 14 انتقادات واسعة في صفوف المسؤولين عن هذه المختبرات، لا يخلو بعضها من التجريح الشخصي بحقّ الكردينال ومستشاره العلمي.
أوّل المعترضين كان البروفسور المستبعد هاربوتل، الذي قال بأنّ البروفسور غونيلا، المستشار العلمي للكردينال باليستريرو، هو "عالم من الدرجة الثانية، لم يسمع به أحد".
ثمّ أتى الدكتور المستبعد غوف، الذي قال: "سبعة مختبرات أفضل من ثلاثة لأنّه، إذا ارتكب أحد المختبرات خطأ ما وأعطى نتيجة مختلفة عن المختبرات الستة الباقية، فبالإمكان معرفة السبب حالاً وتوضيح الأمر. المشكلة الحقيقيّة هي لماذا تمّ إسناد الاستشارات العلميّة إلى غونيلا بدل إسنادها إلى الأكاديميّة البابويّة للعلوم، التي هي جسم علميّ من الدرجة الأولى؟ يا ليتني أعرف كيف استطاع غونيلا التوصّل لكي يكون مستشارًا علميًا!"
أمّا البروفسور هال، وهو من المختارين، فقد علّق على الأمر قائلاً: "أعتقد أنّ القرار الذي اتخذه الكردينال هو بمكانه. إنّ وجود ثلاثة مختبرات فقط لا يقلّل من قيمة الفحص. إذا أخطأ مختبر واحد فقط تحصل البلبلة، وإمكانيّة حدوثها مع سبعة مختبرات هي أكبر منها مع ثلاثة".

بعد أخذ وردّ واتصالات ومشاورات إجتمع ممثلو المختبرات الثلاثة المختارة في المتحف البريطاني، في 22 كانون الثاني العام 1988، بحضور الپروفسور غونيلا، مندوبًا من الكردينال باليستريرو، والدكتور تايت، مندوبًا من المتحف البريطاني، وقرّروا السير بالمشروع المقترح، وتحضير العدّة لليوم المعقود.

6- 21 نيسان العام 1988: اقتطاع عيّنة من كفن تورينو لإجراء فحص الكربون 14 عليها

في 21 نيسان العام 1988 باشر عشرون عالمًا وشاهدًا في عمليّة اقتطاع عيّنة من الكفن وإخضاعها لفحص الكربون 14. على رأس المجتمعين، الكردينال باليستريرو، ومستشاره غونيلا، وممثلين عن المختبرات الثلاثة المختارة، وعن المتحف البريطاني، ومعهم البروفسور فرنكو تستوري Franco Testore ، خبير النسيج في معهد البوليتكنيك في تورينو، وغبريال ڨيال Gabriel Vial خبير المتحف التاريخي للنسيج في ليون – فرنسا، والدكتور جاك إيڨان Jacques Evin ، من جامعة  كلود بيرنار في ليون – فرنسا، والبروفسور جيوڨاني ريجي دي نومانا Giovanni Riggi di Numana الذي سبق وشارك في اختبارات العام 1978 مع فريق ستارب، وهو يشغل منصب المدير المسؤول عن مكتب ستارب في تورينو، وكان هو من قام بنفسه وبيده باقتطاع العيّنة المطلوبة من الكفن لإجراء فحص الكربون 14 عليها.
دامت العمليّة من الساعة الرابعة والنصف صباحًا حتّى الثامنة مساءً، منذ إنزال الكفن من فوق المذبح وبسطه، حتّى إعادته إلى مكانه، تمّ فيها اقتطاع جزء من الزاوية الشمالية السفلى للكفن لضمان أقلّ ضرر ممكن للذخيرة، طوله 7 سنتيمتر وعرضه سنتيمتر واحد. ثمّ قطع هذا الجزء إلى جزئين، واحد للحفظ بعناية الكردينال، وواحد قطع إلى ثلاثة أجزاء شبه متساوية سلّمت بيد الكردينال إلى ممثلي المختبرات الثلاثة، بحسب الرسم التالي:

 

 

سلّمت العيّنة رقم 1 إلى مختبر أوكسفورد، والعيّنة رقم 2 إلى مختبر توسّون، والعيّنة رقم 3 إلى مختبر زوريخ، بالإضافة إلى ثلاث عيّنات أخرى لكلّ مختبر، تعود إلى مواد معروفة التاريخ، قدّمها المتحف البريطاني للاستعانة بها للتدقيق والمقارنة، من دون أن يعرف أي من المختبرات التاريخ الفعلي لكلّ عيّنة، إذ بقي التاريخ معروفًا فقط من منسّقي العمليّة.
تمّت العمليّة بسريّة كاملة، لكنّه تمّ تصوير كلّ شيء بواسطة الڨيديو، وأخذت أكثر من ألفي صورة ثابتة. عند الانتهاء، عاد كلّ واحد إلى بلاده، حاملاً معه العيّنات الأربع، وعاقدًا العزم على البدء بالفحص ومعرفة النتيجة.

7- تسريبات وغشّ

في 26 آب 1988، بضعة أشهر بعد أخذ العيّنات، وقبل الموعد الرسمي لإعلان النتيجة، ورد خبر في جريدة لندنية London Evening Standard ، على لسان الدكتور ريشار لاكيت Richard Luckett ، من جامعة كامبريدج، يقول فيه بأنّ الكفن يعود إلى العام 1300 : "...إنّ البراهين العلميّة أصبحت جاهزة... الكفن مزيّف... هناك بعض الأشخاص الذين لن يصدّقوا هذا الخبر، لكنّه يبدو بأنّ الإختبارات تشير إلى العام 1300... المختبرات هي أمكنة مثقوبة (أي تسرّب منها الأخبار)".
ما أن وصل خبر الدكتور لاكيت إلى الدكتور غونيلا حتّى عَلَّق عليه قائلاً: "أثناء الاثنتي عشرة سنة التي عملت فيها على الكفن لم أسمع أبدًا بهذا الإسم". أمّا المختبرات الثلاثة فقد تنصلوا من هذا الخبر المنشور في الجريدة اللندنيّة. لكنّ مختبر زوريخ كان قد سمح لأحد أعداء الكفن اللدودين، وهو القسّ داڨيد سوكس David Sox
، بحضور الاختبارات، وتلمّس النتائج المحتملة، ما أدّى إلى اتهامه بالمسؤوليّة عن تسريب الخبر قبل الإعلان الرسمي، لا بل حتّى قبل أن يبدأ مختبر أوكسفورد باختباراته. أشاع هذا الأمر جوًّا من الانزعاج والريبة بين المختبرات والسلطات في تورينو، التي اتهمت المختبرات بمخالفة البروتوكول المتفق عليه، القاضي بعدم إعلان أي نتيجة من قبل المختبرات، وتسليم النتائج النهائية إلى الكردينال المخوّل وحده إعلانها إلى العالم، ما أدّى إلى ردود اتهاميّة من قبل المختبرات كادت أن تقضي على العمليّة برمتها.
على أثر ذلك، بدأت بعض الأصوات ترتفع لتقول بأنّه تمّ استبدال عيّنة الكفن الأصليّة التي كان من المفروض تسليمها إلى المختبرات بعيّنة أخرى، عن طريق الاحتيال، بغية الحطّ من قيمة الكفن وما يمثله. ومع أنّ هذا الأمر ممكن من الناحية النظريّة لكنّه مستحيل من الناحية العمليّة، إذ يتطلّب اتفاقًا مسبقًا وتواطئًا بين الكردينال والإختصاصيين وهذا ليس من شيم هؤلاء. وقد أصدروا نفيًا قاطعًا لهذا الأمر على لسان الدكتور غونيلا، أعلنه في مؤتمر روما العام 1993.
ظلّت الأوضاع على هذه الحال من الترقّب والتكهّن إلى حين الموعد الرسمي لإعلان النتيجة.

 

8- 13 تشرين الأوّل 1988 : إعلان النتيجة الرسميّة

عقد الكردينال باليستريرو، رئيس أساقفة تورينو، والحافظ البابوي للكفن، مؤتمرًا صحفيًا، في 13 تشرين الأوّل العام 1988، تلا فيه بيانًا عن نتيجة فحص الكربون 14 بحسب ما جاء في تقرير المختبرات الثلاثة، يقول فيه بأنّ نسيج الكفن صنع ما بين العام 1260 والعام 1290.
نقل الكردينال نتيجة المختبرات كما هي، من دون اللفّ والدوران ومحاولة التبرير، مبديًا موقفًا متجرّدًا محايدًا، لكنّ الكردينال لم يقل بأنّ النتيجة نهائيّة وغير قابلة للمراجعة والنقد، بل ترك للعلماء أنفسهم، بخاصّة الذين لم يشاركوا في الفحص، دراسة النتيجة وإبداء الرأي. بالرغم من هذا كلّه، أعلن الكردينال بأنّ "الكنيسة تؤكِّد احترامها وإكرامها لأيقونة المسيح الموقّرة هذه، التي تبقى موضوع تعبّد المؤمنين، وذلك انسجامًا مع الموقف الذي طالما عُبِّر عنه بخصوص الكفن، وهو أنّ قيمة الصورة بحدّ ذاتها هي أكبر من قيمتها كمستند تاريخي".

 

9- ردّات الفعل الفوريّة

ما إن ظهرت نتيجة الكربون 14 حتّى أثارت ردّات فعل متنوعة في مختلف أنحاء العالم. الملحدون ومضطهدو الكنيسة فرحوا للنتيجة، أمّا المؤمنون بالمسيح وبآلامه الظاهرة على الكفن فقد أصيبوا بخيبة أمل كبيرة. لكنّ بعض العلماء سارعوا إلى تقديم تعليقاتهم، بعيدًا عن العواطف والأحاسيس.

الدكتور جاك إيڨان، الذي كان عضوًا في فريق العلماء الاثنين والعشرين الذين وضعوا بروتوكول الفحص، قال: "إنّ نتائج المختبرات الثلاثة لا جدل فيها. الكردينال باليستريرو قام باقتطاع العيّنة بنفسه، في مكان على طرف الكفن قريب من الرجلين، أي في مكان بتواصل كامل مع مساحة الكفن، مع التأكيد على أنّ العيّنة المقتطعة لا تأتي من قطعة أضيفت لاحقًا مع الرقع الأخرى. ثمّ إنّ الكفن، أقلّه منذ القرن الرابع عشر، نَعم بظروف مثاليّة للحفظ: لم يخبأ في باطن الأرض حيث تلوثه المواد العضويّة الكثيفة وسوائل الغسيل. كما أنّ العيّنات قد تمّ تنظيفها قبل البدء بالفحص، بطرق كيميائيّة فعّالة ومناسبة، تحافظ على كميّة الكربون 14 الأصليّة الموجودة في القماشة. ثمّ إنّ جميع القياسات قد ضبطت معاييرها أي أنّها احتسبت مع الأخذ بعين الاعتبار التقلّبات الطبيعيّة في الزمان من حيث إنتاج الكربون 14 في الفضاء الخارجي".

الأب لويجي فوساتي، من الرهبان السالسيين، Luigi Fossati s.d.b. الذي يعتبر من أهمّ الاختصاصيين في تاريخ الكفن، شكّك بالنتيجة وطرح التساؤلات التالية:
- لقد تعرّض الكفن للحريق في العام 1532، قد يكون له تأثير على قماشة الكفن، بسبب الحرارة القويّة وبخار الماء الذي استعمل لإخماده، بحيث يمكن أن يكون قد حصل تغيير في نسبة الكربون 14 في نسيج الكفن. لماذا لم يتمّ الاستعانة بقماشة عمرها معروف، تعرّضت لحريق مماثل، وإجراء الفحص عليها لمعرفة مدى تأثير الحريق على النسيج؟
- أثناء الاجتماعات التمهيديّة التي وضع فيها البروتوكول في العام 1986 تمّ الاتفاق على الاستعانة بالطريقتين، أي AMS
و PCM . لماذا استبعدت الطريقة الثانية لاحقًا؟
- لماذا تمّ أخذ العيّنات كلّها من مكان واحد فقط؟ الأصحّ هو أخذ العيّنات من ثلاثة أماكن مختلفة من سطح القماشة.
- إنّ الأصول المتبعة لإجراء الفحص لم تكن مناسبة، لذلك أثارت العديد من الانتقادات. كان من الأفضل اتباع الأصول ذاتها التي اعتمدت العام 1966 عندما قدّم الفاتيكان "كرسي القدّيس بطرس" لإجراء الكربون 14 عليها. في ذلك الوقت كلّفت لجنة خاصّة، يعاونها عشرون باحثًا متخصّصًا في مجالات متنوعة، كالتاريخ وعلم الآثار والفن والليتورجيا والفيزياء والكيمياء وغيرها من الاختصاصات، لأتمام دراسة شاملة ومتكاملة. وفي الأخير، استعين بفحص الكربون 14 الذي جاءت نتيجته متوافقة مع النتائج الأخرى. ساعتئذ أعلنت اللجنة قرارها، بموافقة الجميع، على أنّ ما يسمّى "كرسي القدّيس بطرس" لا يعود إلى الزمن الذي عاش فيه القدّيس بطرس بل هو قطعة أثريّة قيّمة تعود إلى القرن السادس بعد الميلاد. وقد لاقى هذا الحكم استحسانًا من العلماء ومن الشعب أيضًا الذي استطاع مرافقة الدراسات المختلفة والمقارنة في ما بينها. أمّا بما يخصّ الكفن، فالقرارات المهمّة أخذها شخص واحد أو شخصان بينما المطلوب مدخل للدراسات فيه تنوّع المواد والاختصاصات.

الدكتورة ماري كلير ڨان أوسترويك غاستوش Marie-Claire Van Oosterwyck Gastuche مديرة قسم التأريخ في متحف جمهوريّة أفريقيا الوسطى، قالت بأنّ الكربون 14 غير ملائم على أقمشة الكتّان، ولديها أمثلة عديدة من النتائج حيث العمر الذي يعطيه الكربون 14 يختلف بأكثر من ألف سنة عن العمر الحقيقي. "هنالك نقمة بين علماء الآثار على الكربون 14" بسبب إعطائه هذه النتائج المغلوطة. "إنّ خبراء الكربون 14 ، ويا للأسف، لم يطلعوا على المعلومات التاريخيّة المتعلّقة بالكفن... هنالك جبل من الوقائع يثبّت عدم دقّة الكربون 14، وهنالك جبل من الوقائع لصالح نسيج الكفن".

العالم الفرنسي أرنو أوبنسكي Arnaud Upinsky ، الاختصاصي في الرياضيّات، قال: "إذا كانت جميع الاثباتات العلميّة حتّى العام 1988 هي خاطئة، بالاستناد إلى نتيجة الكربون 14، فلا وجود لأيّ إثبات علمي صادق. فالذي هو على المحكّ الآن ليس صدقيّة الكفن بل صدقيّة العلم".

العالم البلجيكي ريمي ڨان هيلست Remi Van Haelst ، لفت النظر إلى العوامل الكثيرة التي يمكن أن تكون قد لوّثت قماشة الكفن والتي لم تأخذ كفاية بالحسبان.

عالم الآثار وليم ميشام William Meacham الأستاذ في جامعة هونغ كونغ، قال: "إنّ دراسات المختبرات وفحوصاتهم على الكفن هي متطورة ومعقّدة جدًّا. لكنّ التخطيط ومنهجيّة اقتطاع العيّنات هي بدائيّة. فالعيّنات أخذت من مكان مشكوك في أمره إذ تعرّض للنار في العام 1532. لذا فالنتائج تعبّر عن تأثير الحريق على الكفن بدلاً من أن تعبّر عن تاريخ الكفن الحقيقي... كان من المفروض اقتطاع خمسة أو ستة عيّنات من أماكن مختلفة من قماشة الكفن".

البروفسّور توماس فيليبس Thomas Philipps ، الأستاذ في جامعة هارڨرد الأميركيّة، قال: "إذا كان الكفن بالفعل هو الذي لفّ به جثمان يسوع، بعكس ما أظهرته نتائج الكربون 14، فهو، استنادًا إلى الإنجيل، موجود في حدث واحد فريد وهو قيامة جسد مائت. لسوء الحظّ، هذا الحدث ليس بمتناول التحقيق العلمي، لكنّ الآثار التي على الكفن تبدو وكأنّها ناتجة عن نوع من الحريق".

السيّد ريكس مورغان Rex Morgan صاحب نشرة دوريّة عن الكفن تصدر في أستراليا، قال: "إنّ بحثًا واحدًا أجري في ثلاثة مختبرات من دون حضور شاهد مستقلّ، ومن دون إعلان النتائج الأوّليّة raw data ، لا يكفي لإلغاء مئة سنة من الدراسات العلميّة المتنوّعة، ولا ألفي سنة من الاثباتات الأخرى بحقّ صحّة الكفن".

الدكتور جون جاكسون John Jackson ، تقبّل مبدئيًا النتيجة لكنّه تساءل إذا ما كانت متوافقة مع معلومات أخرى معروفة عن الكفن. قال بأنّ لديه الحقّ في نقد فحص الكربون 14 ولا يوجد في العلوم أيّة فحوصات أو معلومات خارج النقد، وعلى العلماء أن يتوقّعوا دائمًا المفاجآت لأنّهم لا يفهمون بعد قواعد الطبيعة بصورة مطلقة. وطالما أنّ الكفن لفّ جسم إنسان مصلوب، وهو حتمًا غير مرسوم بريشة فنّان، ولا نزال نجهل طريقة انتقال آثار الجسم الميت على الكفن "من الصعب عليّ تقبّل أي تأريخ للكفن".

الأستاذ جون تايرر John Tyrer ، الخبير الإنكليزي في النسيج، تردّد بقبول النتيجة لأنّ عمليّة إزالة التلوّث من العيّنات، قبل البدء بالفحص، لم تجر حسب الأصول، لأنّ الذين قاموا بالفحص لم يدركوا جيّدًا نوعيّة الملوثات الموجودة على قماشة الكفن، كاللقاحات وبقايا الحشرات والفطريات وبخار الهيدروكاربون الآتي من الشموع والشحوم من الأيدي، ولم يأخذوا بعين الاعتبار إمكانيّة أن يكون الكفن قد "طبخ" مع ملوثاته أثناء حريق العام 1532 الذي جعل منه قطعة "غير متجانسة كيميائيًا".

قال الأب رينه لورنتان Rene Laurentin المشهور، بأنّ الكنيسة كانت تفضّل إجراء الفحص بمشاركة مجموعة من الاختصاصيين في العلوم المختلفة. لكنّ اختصاصيّي الكربون 14 رفضوا مشاركة أيّ فريق آخر، بخاصّة أعضاء فريق ستارب المشهود له بموضوعيّته ورصانته، فاضطرّ الكردينال "الانحناء أمام استبداد اختصاصيّي الكربون 14".

قدّمنا عيّنة من ردّات الفعل الفوريّة، البعض منها تخطّاها الزمن، بعد أن أثبتت الدراسات اللاحقة خطأ التاريخ الذي أعطاه الكربون 14. على كلّ حال، لا يكون هذا الفحص حاسمًا. إنّه فحص استشاريّ فقط، يستعمله علماء الآثار عادة لمقارنة نتائجه مع نتائج الفحوصات والدراسات الأخرى. إذا تطابقت يكون قد أضيف دليل آخر على صحّة التأريخ، وإذا اختلفت يعاد الفحص. في حالة الكفن، جميع الدراسات والفحوصات، ما عدا الكربون 14، تدلّ على صناعة الكفن في القرن الأوّل.

10- التقرير الرسمي

نشرت مجلّة ناتشور Nature العلميّة الإنكليزيّة في عددها الصادر في 16 شباط 1989، التقرير الرسمي للعلماء الذين شاركوا في فحص الكربون 14 الذي أجروه على كفن تورينو، حاملاً واحدًا وعشرين توقيعًا، يخلصون فيه إلى القول بأنّ نسيج الكفن يعود إلى القرون الوسطى، ما بين العام 1260 و 1390.
بعد عشرين سنة من نشر هذا التقرير، ما زال السجال قائمًا بين العلماء، بخاصّة أنّ النتيجة التي أعطاها الكربون 14 لا تتوافق مع المعلومات التاريخيّة والوثائق التي تثبت أنّ الكفن كان موجودًا قبل هذا التاريخ! هذا بالإضافة إلى العديد من الأبحاث والدراسات الحديثة التي أعطت الضربة القاضية لهذا الفحص، تجدونها أثناء تصفحكم هذا الموقع.

11- موقف الكنيسة الكاثوليكيّة

يظنّ الكثيرون بأنّ الكنيسة الكاثوليكيّة، حافظة الكفن، وافقت على النتيجة التي أعطاها الكربون 14 وبالتالي اعترفت بأنّه مزيّف، ولا يعود إلى المسيح يسوع، وهم يتذرّعون بأنّ الكردينال أعلن النتيجة بنفسه. من يدقّق في البيان الذي تلاه الكردينال على الصحافة يدرك فورًا أنّ القول السابق غير صحيح.
أجرت صحيفة "صوت الشعب" La Voce del Popolo
في عددها الصادر من تورينو في 6 تشرين الثاني العام 1988 ، مقابلة مع الكردينال باليستريرو قال فيها: "...لقد اعتبرت الكنيسة أنّ الإصغاء إلى العلم هو أمر حسن، يساعدها في التخلّص من تهمة الخوف والخداع. وبما أنّ العلم تكلّم فعليه هو أن يحكم على النتائج. لا يقوّلني أحد بأنّني قبلت النتائج. لم أقل ذلك أبدًا ولن أٌقوله لأنّ هذا الأمر لا يعنيني. لست ديّان العلم... إنّ تكريم الكفن المقدّس مستمرّ وهو يبقى كنز في كنيستنا... إنّ هذه الفحوص لا تنهي فصول الكتاب عن الكفن، وهي ليست إلاّ فصلاً آخر يضاف إلى قصّة الكفن أو، كما يقول بعضهم، إلى ألغاز الكفن. وبعد كلّ ما جرى ليست لدينا أجوبة لشرح كيفيّة حدوث صورة المسيح هذه".
على أثر إعلان نتيجة الكربون 14، وبينما كان الأب بيتر رينالدي، Peter Rinaldi s.d.b.
، الراهب السالسي، والناشط الكبير في مجال الكفن، في ساحة كاتدرائيّة تورينو، تقدّم منه أحد الأصدقاء، مربتًا على كتفه ومعزيًا قائلاً: "أشعر بالأسف العميق، للكنيسة ولك". فأجابه الأب رينالدي: "هل أنت جدّي في ما تقول؟ هل تعتقد بأنّ الكنيسة انهارت لأنّ الكفن ليس ما اعتقده العديد منّا؟ الكنيسة لا تخاف الحقيقة، على شرط أن تستند على وقائع أكيدة. على كلّ حال، بالنسبة إلى الكفن، فالكنيسة هي التي بادرت لمعرفة الحقيقة. وما الذي يجعلك تظنّ يا صديقي بأنّ فحص الكربون 14 هو نهاية الكفن؟ سأقتنع بالنتيجة فقط عندما يبرهن لي أيًّا كان كيف استطاع فنّان من القرون الوسطى أن يحصل على هذه الصورة المدهشة كتلك الموجودة على الكفن".

فالكنيسة لا تقول بأنّ الكفن مزيّف، كما لا تقول بأنّه صحيح، ولا تفرض على المؤمنين واجب التصديق، بل تترك للعلم أن يكشف كلّ شيء. ومهما تكن النتيجة، لا يمكن لكفن تورينو أن يشكّل برهانًا قاطعًا على قيامة الربّ يسوع من بين الأموات، إذ تنعدم حريّة الإيمان. إنّ الكفن هو علامة أو أيقونة المسيح المتألّم تساعد المؤمن على الغوص في أسرار حبّ الله للبشر، بخاصّة في سرّ آلامه وقيامته.

 

* هذا المقال توليف لعدّة أبحاث ودراسات قام بها المؤلّف، بالإضافة إلى بعض المعلومات التي نشرتها المجلّة الأوستراليّة المتخصّصة بشؤون الكفن، Shroud News لصاحبها الأستاذ ريكس مورغان، وقد توقفت عن الصدور منذ العام 2002، بعد عشرين سنة من المواظبة. والمعلومات  المذكورة اقتُبست من الأعداد 38 (كانون الأوّل 1986) و 43 (تشرين الأوّل 1987) و 47 (حزيران 1988) و 49 (تشرين الأوّل 1988).

|


جميع الحقوق محفوظة للمهندس فارس حبيب ملكي ©
اّخر الاخبار | سؤال و جواب | اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|