اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية

           صلب عين القضاة الهمذاني في العام 1130م

 

فارس ملكي

 

1- مَن هو عين القضاة الهمذاني؟

هو الشيخ عبد الله بن محمد بن علي بن الحسن بن علي الميانجي(1) الهمذاني السهروردي، وكنيته أبو المعالي وأبو الفضل، ولقبه عين القضاة.

كان من أكابر الأئمة والأولياء ذوي الكرامات، وقد خلف أبا حامد الغزالي، رحمه الله، في المؤلفات الدينيّة والمصنفات(2).

وكان من أعيان العلماء، ومَن به يضرب المثل في الفضل والولاء... وجرى في التصانيف العربيّة على رسله، وأبدع معانيا في الحقيقة، وسلك فيها طريق أهل الطريقة، وملك التصرّف في كلام التصوّف، وفاح عرف عرفه في المعرفة، وتشرّبت القلوب ماء قبوله، وانتشر صيته في حزون الدهر وسهوله، واتّخذ قصده منسكًا، واغتنمتُ زيارته تيمنًا وتبركًا(3).

 

2- لماذا صلب عين القضاة الهمذاني؟

حسده جهال الزمان المتلبسون بزيّ العلماء، ووضعهم الوزير(أبو القاسم الدركزيني) عليه، فقصدوه بالإيذاء، وأفضى الأمر به إلى أن صلبه الوزير بهمذان، ولم يراقب فيه الله ولا الإيمان(4). حسده المشبهون بأهل العلم، ونسبوا إلى ذكره كلمات في مصنفاته لم يتصوروها بالفهم، فالتقطوها وأفردوها من تركيباتها، وحملوها على ظواهرها في عباراتها، ولم يستفسروا منه معناها، ولم يأخذوا عنه مبناها(5).

من كتاباته "زبدة الحقائق"(6) و "رسالة شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان"(7) كتبها عين القضاة لَمّا كان محبوسًا في سجن بغداد، العام 1130م، بضعة أشهر قبل صلبه، يشكو فيها محن الأيّام، ويدافع بها عن نفسه ضدّ العلماء الذين اتهموه بالزندقة والكفر.

 

3- مَن صلب عين القضاة الهمذاني؟

أبو القاسم الدركزيني، وزير السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي (1118-1131). لمّا استلم الوزارة فتك وهتك، واستباح الدماء، وسفك، وشرّع المنكرات، وأنكر المشروعات، وعادى الكرام، وبدّد النظام، وظاهر الباطنيّة، وأظهر سنّة الجاهليّة، وشرع في الفتك بالأحرار، والهتك للأستار(8).

قام الوزير بقتل الكثيرين، نذكر منهم:
- القاضي زين الإسلام الهروي، المعروف بإسداء المعروف، وهو بحر العلوم، والحاكم بالعدل، والعادل في الحكم... العام 1124م
- الأمير آقسنقر البرسقي، أمير الموصل، بعث من ضربه بالسكاكين وهو جالس في جامع الموصل، العام 1126م.
- أبو نصر أحمد بن الفضل بن محمود، وزير السلطان سنجر، طعنه بسكين، سائس خيله، الذي كان الوزير الدركزيني أرسله لهذه الغاية، العام 1127م (9).

نظرًا لأهميّة الحدث وندرة المراجع أنقل في ما يلي النصّ الكامل لسيرة حياته كما وردت في كتاب "خريدة القصر وجريدة العصر" على الصفحات 137 و 138 و 139 من الطبعة الوارد ذكرها في الحواشي:

أبو المعالي عبد الله بن أبي بكر محمد بن علي بن الحسن بن علي الميانجي الأصل، الهمذاني الأهل. كان الصدّيق الصادق، والموفق الموافق للصدر الشهيد عمّي عزيز الدين رضوان الله عليه. فلمّا نُكّب العمّ واستسرّ بدره التَّمّ، تقلّد الوزير الدركزيني وزير عين القضاة، فأعان القضاء على قصده، وحمله حسده على حصده.
وإنّه كان من أعيان العلماء، ومَن به يُضرب المثل في الفضل والولاء، ولم يشرق الغزالة بعد الغزالي على مثله في فضله. وجرى في التصانيف العربيّة على رسله أبدع معانيًا في الحقيقة، وسلك فيها طريق أهل الطريقة، وملك التصرّف في كلام التصوّف، وفاح عرف عرفه في المعرفة، وتشرّبت القلوب ماء قبوله، وانتشر صيته في حزون الدهر وسهوله، واتّخذ قصده مَنسكًا، واغتنمتُ زيارته تيمّنًا وتبرّكًا.

ولقد كان من أولياء الله الأبدال، بل  بلغ درجة القطب، وأنارت كراماته إنارة الشهب، فحسده المشبّهون بأهل العلم، ونَسَبوا إلى ذكره كلمات من مصنفاته لم يتصورها بالفهم، فالتقطوها وأفردوها من تركيباتها، وحملوها على ظواهرها في عباراتها، ولم يستفسروا منه معناها، ولم يأخذوا عنه مبناها.

وقبضه الوزير العلج، وعَجّل في ظلمه، وجلد في حكمه، وحمله مقيّدًا إلى بغداد ليجد طريقًا في استباحة دمه، ويؤاخذه بجرمه. فلمّا أعيي عليه الحقّ، أخذته العزّة باثم الباطل، وأعاده إلى همذان. وكان هو وأعوانه في أمره كاليهود في أمر عيسى حين ألحقوه لبوس موسى، غير أنّ الله عصم نبيّه من الكفّار، وما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شُبّه لهم، وأبلى وليه بالفجّار، فصلب ذلك الوزير الوازر للوزير، وأملى الله لهم، وأمهلهم وذلك ليلة الأربعاء السابع من جمادي الآخرة سنة خمس وعشرين وخمس مائة.

ولمّا قُدّم إلى الخشبة المنتصبة عانقها وقرأ: وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون (سورة النساء، الآية 157).

فما عبرت سنة على ذلك الوزير حتّى صُلب ومُثّل به وتبعه أعرابه في عطبه:
مَن بَرّ يومًا برّ به     والدّهر لا يغترّ به
ولعين القضاة رحمه الله رسالة كتبها إلى إخوانه بني جنسه من حبسه، يبكي فيها على نفسه، وهي غاية الاستعطاف، قد جمع فيها كلّ وصف من الأوصاف، وله رسائل في كلّ فنّ لا يتصوّر معانيها إلاّ الراسخون في العلم، الشامخون بقوّة الفهم...

الحواشي:

1- نسبة إلى مدينة ميانة الواقعة شمالي غربي إيران.
2- تاريخ دولة آل سلجوق، تأليف عماد الدين محمد بن محمد بن حامد الأصفهاني، قرأه وقدّم له الدكتور يحيى مراد، دار الكتب العلميّة، بيروت-لبنان، 2004، صفحة 283.
3- الأصفهاني، عماد الدين محمد بن محمد بن حامد : خريدة القصر وجريدة العصر، في ذكر فضلاء أهل فارس (3)، تقديم وتحقيق الدكتور عدنان محمد آل طعمة، مرآة التراث، طهران – جمهورية إيران الإسلاميّة، الطبعة الأولى، 1999، صفحة 137.
4- تاريخ دولة آل سلجوق، مرجع سابق، صفحة 283.
5- خريدة القصر وجريدة العصر، في ذكر فضلاء أهل فارس (3)، مرجع سابق، صفحة 138.
6- دار الكتب العلميّة http://www.al-ilmyah.com ، بيروت، لبنان، 2008، 190 صفحة.
7- المرجع السابق.
8- تاريخ دولة آل سلجوق، مرجع سابق، صفحة 278.
9- تاريخ دولة آل سلجوق، مرجع سابق، صفحة 278.

 

|


جميع الحقوق محفوظة للمهندس فارس حبيب ملكي ©
اّخر الاخبار | سؤال و جواب | اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|