اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية

رسالة أغستينو كوزانو Agostino Cusano
ميلانو، في25 تشرين الأوّل 1578*

القدّيس شارل بوروميه ورفاقه أثناء مسيرتهم إلى تورينو لتكريم الكفن المقدّس
(ألبوم التذكارات الصادر بمناسبة العرض العلني للكفن الذي أقيم العام 1933)

كنت مع السيد بومبونيو Pomponio في رحلة حجّ إلى تورينو، لمشاهدة الذخيرة الأندر في العالم وعبادتها، ألا وهي الكفن المقدّس الذي لُفّ به جسد مخلِّصنا، ودُفن فيه.
ذهب رئيس الأسافقة الجليل النبيل، الكردينال بُورّومِيو، إلى هناك، سيرًا على الأقدام، مع اثني عشر حاجًّا. أماّ نحن، كوننا أقلّ تقشّفًا منه، فقد ركبنا العربة. إستُقبل سيّدنا النبيل من قِبَل دوق ساڤوا بكلّ احترام. التقاه أوَّلاً رئيس اساقفة تورينو، ثمّ كردينال فِرشيللي، وأخيرًا سُموّ الدوق، والأمير، والحاشية كلّها وقوفًا، والدركيّون، وبعض الخيّالة، وعند دخولهم أُطلقت المدافع مدويّة في الأجواء.
كان القصر الذي سكن فيه سموّ الدوق الشريف مزدانًا بفروش من الذهب واللآلئ الثمينة. وقد تَقبَّل الكردينال الطيّب، بكلّ محبّة وتقوى مسيحيّة، جميع التشريفات التي أُقيمت له، دون ان يرفض أيًّا منها، حسب ما تفرضه أصول الضيافة المسيحيّة.
بعد أن استراح يومًا كاملاً، عُرض أمامنا النسيج المقدّس بشكل شخصيّ، ممدَّدًا على طاولة كبيرة، حيث أدَّينا له كلّنا شعائر العبادة، ونحن راكعون، لمدّة ساعة كاملة، قضينا قسمًا منها نستمع الى مواعظ حارّة، والقسم الآخر قضيناه في تأمّلات تقويّة. ثمّ نهضنا كلّنا ونظرنا إليه بكلّ انتباه، وتأملناه بكلّ احترام، عن قريب وعن بعيد، تارة من هذه الجهة، وطورًا من الجهة الاخرى، مشدوهين بهذا المنظر الباعث إلى الورع، وكذلك إلى الشفقة.
في الأحد التالي، تَمَّ التطواف بالنسيج المقدَّس، إنطلاقًا من الكاتدرائيّة إلى "ساحة القصر" حيث احتشد جمعٌ غفير، من الصعب إحصاؤه، أتى من كلِّ منطقة وجوار، ملأ الساحة الضخمة بشكل كثيف، فلم يعد يرى المرء سوى الرؤوس، كما في مشهد الدينونة الاخيرة، وقد قُدِّر الناس بحوالي الاربعين ألفًا. عُرضت الذخيرة المقدّسة على منصّة كبيرة، مزدانة بوفرة، بينما تعالت النداءات الى السماء، صارخة "الرحمة".
شارك اثنان من الكرادلة في التطواف: الكردينال بُورّومِيو، وكردينال ڤِرشيللي، واثنان من رؤساء الاساقفة، من تورينو ومن ساڤوا، وستة مطارنة آخرون، وجناب الدوق، والأمير، وغيرهم من أشراف البلاط.
بعد ذلك، أُعيدت الذخيرة المقدّسة إلى الكاتدرائيّة، ووُضعت في مكانٍ عال، مع المصابيح، ثمّ بدأت فورًا صلوات "الأربعين ساعة" نهارًا وليلاً باستمرار، نسبة إلى الوقت الذي استغرقه لفّ مخلّصنا في هذا الكفن، ودفنه فيه. كانت الرعايا المختلفة تتبادل الاهتمام بمراحل الصلاة، مع الاخويّات والجمعيّات التي كانت تصل تباعًا بتطواف. أُلقيت المواعظ عن هذه الذخيرة المقدّسة، تارةً بلسان الكرادلة، وطورًا بلسان الاساقفة، أو غيرهم من الرهبان، وكان جناب الدوق والأمير يحضران بشكلٍ شبه دائم.
عند الفراغ من صلوات "الأربعين ساعة" احتفل الكرادلة، ومعهم اثنان من رؤساء الأساقفة، بنقل النسيج المقدّس، مرّة أخرى. كان الأساقفة يمسكون المظلّة، لابسين حِللهم الحبريّة، يرافقهم الدوق والأمير، لابسين ثياب القدّيس لعازر، سائرين كلّهم مع الخيّالة. وفي السّاحة ذاتها، على المنصّة، مُسك الكفن وعُرض للناس، ثمّ أُعيد إلى الكاتدرائيّة. وبعد أن أُعلم الدوق عن مجيئ أربعة آلاف من "الهوغينو" آتين من وادي "اونغرونيا"، على الحدود السويسريّة، مع أنّهم من مواطني دولته، ليشاهدوا الكردينال بُورّومِيو وحسب، أراد الإستفادة من هذه المناسبة، وطلب أن تطول صلوات "الاربعين ساعة" والمواعظ الاعتيادية، علّ بعض الاهتداءات تحصل بينهم. لذلك، استمرّ الكردينال بالصلاة زهاء الساعتين، وكان السكوت والانتباه العميق، في تجمّع كهذا، رائعيَن.
عند المساء، أُعيد النسيج المقدّس إلى مكانه، وصُرف الناس. وفي اليوم التالي، تَسنَّت لنا الفرصة للعودة ومشاهدة الكفن مرّة اخرى، بشكلٍ شخصّي، لينطبع في قلوبنا وحواسِّنا.
إنّ رؤية النيسج المقدّس لشيئٌ مدهش، وهو المصنوع من مادّة غير معروفة، هي كتّان برأي البعض، إذ يبدو ناعمًا شبيهًا بالحرير، وما زال كاملاً وغير متضرِّر، بعد ألف وخمسماية عام.
والمدهش أكثر من ذلك، أن نرى مطبوعة هنا، صورة جسم سيّدنا الحقيقيّ، وشكله الطبيعيّ، مع كامل مقاسه، ونرى العلامات وآثار الندوب والجروحات التي تَحمَّلها من اجل خطايانا. أقول إنَّه لم يُطبع بواسطة رسّام استعمل الفنون الانسانيّة، ولا بألوان متنوّعة، بل أنّ جسده هو الذي رسمه وختمه بطريقة عجائبيّة.
إنّها لمعجزة، أن يكون قد نشب حريق في "الكنيسة المقدسة" حيث كان محفوظًا، أدّى إلى احتراق الخزنة، وذوبان الفضّة، مع وصول النار الى النسيج المقدّس نفسه، من دون ان يتضرَّر أيّ جزء من الصورة، مع أنّ أجزاء أخرى عديدة منه قد احترقت، كما يشاهد المرء الان. حصل هذا منذ سنوات عدّة، في شامبيري، حيث هي "الكنيسة المقدّسة".
إذا كانت الذخائر الأخرى تَحظى بقدرٍ كبيرٍ من الشرف والتكريم، فكم بالحري هذه الذخيرة التي هي فريدة، ولا وجود لمثلها في العالم كلّه، إذ هي لامَسَت، ليس فقط جزءًا من جسد السيّد، بل كلّ الاعضاء، وكامل الجسم الذي لُفَّ بها لمدّة طويلة. ولأنَّها أيضًا صورة السيّد الحقيقيّة والطبيعيّة، التي انطبعت بشكلٍ عجائبي، مع علامات جروحاته المقدّسة، وحتّى أكثر من ذلك، بسبب الدم الغالي الذي لَوَّن وبَلَّل، بغزارة، أماكن عديدة.
باستطاعة المرء القول بأنّ هذه النواحي الثلاث هي التي تجعل هذه الذخيرة، ليس فقط أهلاً للعبادة، بل فريدة من نوعها في العالم، ومتفوِّقة على غيرها. أمّا بالنسبة لتأكيد صحّتها بشهادة مكتوبة، فإنّها لا تحتاج الى أيّ موافقة، لانّها تحمل ضمنًا شهادة أصلها، من خلال الصورة التي خُتمت عليها بمعجزة، وشهادة الباباوات العديدين الذين منحوها الامتيازات العديدة والغفرانات، أمثال سيستوس الرابع، وبولس الثاني، ويوليوس الثاني. هنا، نتعجّب ونندهش من الحبّ الذي أحبَّنا به المسيح، وقد أراد أن تبقى ذكرى آلامه المقدّسة حيّة ومستمرّة، بالإضافة إلى منافع فدائه العالم، وهو لم يترك لنا فقط مادة جسده الحقيقيّ والطبيعيّ في سرِّ القربان المقدّس، بل أيضًا، مضيفًا ذكرى على ذكرى، ورهانًا على رهان، يترك لنا شكل جسده الظاهر الممكن إدراكه بالحواسّ، على هذا النسيج المقدّس بحيث تتوافر لنا الإمكانية لكي نغذّي، بالسرّ المقدّس، ليس فقط الإنسان الداخليّ، أي العقل والعاطفة، بل أيضًا الإنسان الخارجيّ، بكلِّ أحاسيسه، بهذا الكفن المجيد.
وحيث أنّنا رأينا، في هذه الآلام الجمّة، وهذا الموت من أجل خطايانا، فليعطنا الربّ النعمة لكي نراه هو، ممجَّدًا خالدًا في السماوات، باستحقاقات آلامه المقدسة. ولنصلّي، كي يمنحنا هذا الإيمان الحيّ، ورجاء المرأة القدّيسة الوارد ذكرها في الإنجيل حين قالت: لو أستطيع لمس طرف ردائه فسوف أخلص. ونحن الذين أُعطي لنا، لا أن نرى وحسب، بل أن نلمس ونقبِّل، لا طرف ردائه الخارجيّ فقط، بل الرداء الذي لامس جميع أعضاء سيّدنا المقدسة، ونقبِّل دمه الحقّ، كيف يجوز لنا أن لا نأمل خلاص نفوسنا؟ وإرضاءً لرغبة سموِّكم التقويّة، سوف أضيف بعض التفاصيل الأخرى، وأخبركم كيف يرى المرء هذا الشكل المقدّس.
كما كتب المؤرِّخ اليونانيّ الكبير نيقيفورس كاليستوس، بخصوص صورة السيّد، فإنّ طول الجسم ثلاثة أذرع بحسب مقاييسنا في ميلانو؛ أمّا العرض، فيزيدني بأربعة أصابع أو ما يوازي كفًّا واحدًا، وباقي الجسم بحسب النِسَب الصحيحة. إنّ الوجه مستطيل على الأرجح، واللحية منقسمة إلى اثنين، لكنّها قصيرة؛ الشعر طويل، يتدلّى إلى ما تحت الأذنين؛ الوجه، عندما ينظر المرء إليه، يستدعي التكريم؛ بقيت بعض آثار إكليل الشوك على الجبين، مع بعض سيلانات الدم الواصلة إلى ما فوق العينين؛ إنّ جرح الجنب هو في الجهة اليمنى، عرضه ثلاثة أصابع تقريبًا، مع دم غزير بقدر عرض كفّ اليد؛ آثار المسامير في اليد ليست في وسط اليد، بل عند آخر الوصلة مع الزند، وهي بقياس أصبع كبير، والدم غزير بحجم البيضة؛ اليدان الواحدة فوق الأخرى، والذراعان كأنّ الجلد عليهما مسلوخ، في مغطس من الدم، من الوسط وإلى الأسفل؛ كذلك القدمان، فيهما آثار المسامير التي دخلت، ليس في الوسط، بل عند الوصلة مع السيقان، حيث الدم الغزير، كما عند اليدين.
وبما أنّ النسيج المقدّس قد لُفَّ حول الجسم كلّه، فقد طُبع عليه شكلان، واحد للجزء الأمامي من الجسد، والآخر للجزء الخلفي، حيث يشاهد المرء بوضوح آثار السياط التي وقعت بكثافة أكبر على الكتفين بحيث تبدو، هذه الأخيرة، مرضوضة.
إنّ الشكل بكامله داكن اللون، مثل الظلّ القاتم، أو مثل رسم إعدادي تراه الآن، أو لا تراه، والذي يولِّد رغبة كبرة وعجلة لمشاهدته مرّة أخرى على نحو أفضل. الآن نراه بشكل أفضل، عن قريب وعن بعد. إنّ بقع الدم في كلِّ مكان، بحيث تنطبق عليه الكلمات التالية: "كيف يصبح الذهب قاتمًا، وليس له زينه ولا شكل". أيّها الربّ الرحوم، كيف يمكن للمرء أن يذكر جميع هذه الأمور من دون دموع، فالأفضل له أن يسكت، ويتأمل بصمت، بدل التكلّم بطريقة سطحيّة ودون فائدة.
إنّ طول النسيج المقدّس هو ستة أذرع بحسب مقاييسنا، وعرضه ذراعان ونصف.
هذا إذًا ما أردتُ قوله لسيادتكم، بطريقة عفويّة، وبما تحتوي من "طلعات ونزلات". كلّ هذا حصل لي مع هذه الذخيرة المقدّسة، وهو جديرٌ أن يُعرف. ليتقبّل سيادتكم بلطف هذا التقرير الصادق، المؤلَّف بشكل سيّئ، والمكتوب بسرعة، لأنّني لا أشعر معكم بأي إحراج عندما أكشف عن نواقصي.
وليتمجَّد الربّ.

*نقله الى العربية، فارس حبيب ملكي، عن النص الانكليزي الصادر في مجلة Shroud Spectrum، العدد 26، العام 1988

|


جميع الحقوق محفوظة للمهندس فارس حبيب ملكي ©
اّخر الاخبار | سؤال و جواب | اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|