اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية

ماذا يقول الإنجيل

في ما العلماء يدرسون الكفن، لاحظوا أنّ الآثار التي على القماش تطابق ما قيل في روايات الآلام الواردة في الأناجيل الأربعة، ما يجعل من الكفن "إنجيلاً خامسًا" مرئيًا يُظهر ما يقرأه الناس في الرواية المكتوبة. وهذا التطابق يزيد من إمكانيّة أن يكون كفن تورينو هو كفن يسوع، وليس كفن أيّ إنسانٍ آخر.

أ – الضربات واللطمات

"وأخذ بعضهم يبصقون عليه، ويقنّعون وجهه ويلطمونه ويقولون: تَنبَّأ! وانهال الخدم عليه باللطم" (مرقس 65:14).
جرى هذا ليلة القبض على يسوع، لَمَّا سيق إلى السنهدرين للمحاكمة، في حضرة قيافا، عظيم الأحبار، والكتبة والشيوخ، حيث سُجن حتّى الفجر، وقاسى شتى أنواع العذابات. هنا تمّ نتف اللحية، وذلك واضح على الوجه، إذ تبدو اللحية بشكل رقم ثمانية أي منتوفة في الوسط. وهنا لطمه على وجهه أحد حرّاس عظيم الأحبار، مسبِّبًا له تورمًا في الخدّ، ورضوضًا في الأنف (يوحنا 22:18)، ازدادت في اليوم التالي، على أثر تعرّضه لسخرية الجنود الرومان، وأثناء مسيرته الشاقّة نحو الجلجلة، بحيث طالت الوجنة اليمنى، والشفة العليا، والفكّ، والحاجب الأيسر. إنّ آثار هذه اللطمات بادية على الكفن.

ب – الجَلْد الروماني flagellatio

 

"فأخذ بيلاطس يسوع وجَلَدَه" (يوحنا 1:19).
إنّ آثار الجَلد ظاهرة بصورة جليّة على الجهة الخلفيّة ابتداءً من الظهر وحتى القدمين، وهي متمثلة ببقع الدم الغامقة اللون، والمنتشرة على طول الجسم. أمّا آثار الجَلد من الأمام فهي ضئيلة جدًّا لأنَّ الشخص كان يقف عريانًا، ومربوطًا إلى عمود، ووجهه تجاهه، وكان الجلاّد، الواقف وراءه، يتجنَّب توجيه ضرباته لناحية القلب، لئلاّ يموت، إذ كان المطلوب معاقبة يسوع ثمّ إطلاق سراحه (لوقا 16:23)، ولم تكن نيّة بيلاطس، في البدء، تسليمه ليُصلَب.
من المؤكَّد أن عمليّة الجَلد قام بها الجنود الرومان، لا اليهود، وذلك بسبب تطابق آثار الجَلد في صورة الكفن مع وسيلة الجَلد الرومانية المسمّاة فلاغروم flagrum، نجد نماذج عنها في المتاحف، وهي عبارة عن مقبض ينتهي بثلاثة أطراف من الجِلد، في رأس كلّ طرف قطعة من عظام أرجل الغنم، أو كُرَتان متلاصقتان من الرصاص.
كان الجَلد ينتزع قطعًا من اللحم عن الجسم، ويسبِّب جروحات بليغة، وكدمات موجعة. قام الاختصاصيّون بتعداد آثار الجَلد على الجسم، وأجمعوا أنّها حوالي الماية والعشرين أثرًا. إذا قسمناها على ثلاثة، كَون كلّ جلدة تحدث ثلاث خطوط، يتبيَّن لنا أن عدد الجلدات حوالي الأربعين. يبدو أنّ العسكر الرومانيّ راعى الشريعة اليهوديّة التي تأمر بالجَلد أربعين مرّة فقط وليس أكثر (سفر تثنية الاشتراع 3:25).

 

 

ج – إكليل الشوك

 

"وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه، وجعلوا في يمينه قصبة" (متى 29:27).
إنّ الشوك المغروز في الرأس تسبَّب بجروحات بليغة، ونزيفٍ قويّ، آثاره واضحة على الكفن من جهة الرأس، خصوصًا من الناحية الخلفيّة، وعلى طول الشعر. وهذا يتوافق مع حركة المصلوب الذي غالبًا ما يَضرب رأسه بخشبة الصليب، فيغرز الشوك في الرأس، مسبِّبًاًَ ألمًا مبرحًا.
لم يكن إكليل الشوك من العذابات التقليديّة التي يتلقّاها المحكوم عليه بالصلب، إذ لم يذكر التاريخ حالة مماثلة، كما أنّه لم يوضع على رأس اللّصين. أمّا يسوع، فقد جعلوا على رأسه إكليل الشوك بدل التاج الذهبي ليسخروا منه، إذ قال أنّه ملك اليهود.
إنّ سيلانات الدم، والجروح البادية على الرأس، من الأمام ومن الوراء، كما نراها على الكفن، تحملنا على استبعاد فكرة وجود إكليل couronne من الشوك، كما تُصوِّره لنا الإيقونوغرافيا التقليديّة، على مثال تيجان الملوك في الغرب، بل بالأحرى، إنّه "عرقيّة" tiare من الشوك، على مثال تيجان ملوك الشرق، وقد شُدَّت أطرافه حول الرأس برباط.
ما هو جنس الشوك الذي وُضع على رأس المسيح؟ نستبعد كلّيًّا أن يكون من نبات القندول، ذات الزهرة الصفراء، كما يقول بعض اللبنانيين؛ أو من الزيزفون، نسبة إلى التقليد الذي يقول أنّ شجرة الزيزفون ملعونة، لأنّها تُزهر من دون أن تعطي ثمرًا، إذ استُعمل شوكها لتكليل المسيح. لقد صُنع الإكليل من أغصان شجر العنّاب البرّي Ziziphus Spina Christi ذات الأشواك الحادّة التي باستطاعتها اختراق الرأس، وبخاصّة، إذا "أخذوا القصبة وجعلوا يضربونه بها على رأسه" (متى 30:27). ومنهم مَن يقول بأنّه صُنع من شجيرات البلاّن Sarcopoterium Spinosum أو الكبّاد أو العكّوب Gundelia Tournefortii. وقد استعان الجنود الرومان ببعض الأغصان من قصب الخيزران، ليضبطوا الشوك على الرأس.
تحتفظ كاتدرائيّة نوتردام، في باريس، بما تَبقّى من إكليل الشوك، أي قصب الخيزران فقط، بعد أن وُزِّعت الأشواك بمثابة ذخائر، لا نعرف بالضبط، أين حطّت رحالها. يُعرض الإكليل للجمهور، أثناء زمن الصّوم الكبير. من المعروف أنّ ملك فرنسا، القدّيس لويس التاسع (1214-1270) هو الذي اشترى الإكليل، من القسطنطينيّة، بملغ كبير جدًّا، بلغ 135 ألف ليرة، وشَيّد كنيسة خاصّة، دُعيت لاسانت شابيل La Sainte Chapelle ليحفظه فيها، كَلَّف بناؤها 40 ألف ليرة فقط، وهو مبلغ زهيد، بالنسبة إلى ثمن الإكليل. وقد تَسلَّم الملك المذكور الإكليل، في 10آب 1239، وحَمَلَه في مسيرة طويلة، وهو حافي القدمين، لابسًا قميصًا بسيطًا، وخالعًا تاجه عن رأسه.

د – وضع الصليب على المحكوم عليه

 

"أَلبَسوه ثيابه وساقوه ليُصلَب" (متى 31:27).
كانت العادة أنْ توضع خشبة على المحكوم عليه، وينطلق بها مُساقًا من مقرّ المحكمة إلى مكان الصلب الذي يقع خارج أسوار المدينة. وكان الصليب يتألّف من خشبتين: الأولى عموديّة وتسمى Stipes، والأخرى أفقيّة وتسمى patibulum. فالعموديّة كانت تُثبَّت في مكان الصَلْب، مغروزةً في الأرض، وطرفها الأعلى، المشغول بشكل "خابور"، مجهَّز لكي يخترق وسط الخشبة الأفقيّة التي يحملها المحكوم عليه، عند وصوله إلى المكان المذكور. ويبدو أنّ هذه هي الطريقة الأكثر شيوعًا، والأقرب إلى المنطق والواقع التاريخي، بالاستناد إلى الحجج التالية:
- إنّ أمر الصلب الذي كان يلفظه القاضي الروماني، في المحكمة، يقوله كما يلي: Pone crucem servo أي "ضَع الصليب على العبد" ولا يقول مثلاً: "فليحمل العبد صليبه" أو "ضَع العبد على الصليب".
- إنّ حمل الخشبة الأفقيّة وحدها، وقد يبلغ وزنها حوالي الخمسة والعشرين كيلوغرامًا، لهو أسهل بكثير، من حمل الصليب بكامله، الذي قد يبلغ وزنه حوالي الماية كيلوغرامًا، مما يزيد من إمكانيّة استحالة حمله لمسافة طويلة، من قِبَل أي رجل، مهما كان قويًًّا.
- إنّ عمليّة تحضير صليب كامل تتطلَّب وقتًا طويلاً، وكلفة أكبر. فتوفيرًا للوقت والمصروف، وفي حال وجود عدّة محكومين بالموت صلبًا، يُعتَبر منطقيًا بقاء الخشبة العموديّة ثابتة في مكانها، وإعداد الخشبة الأفقيّة وحسب، في كل عمليّة صلب.
إنّ رجل الكفن قد وُضعت عليه خشبة الصليب الأفقيّة، وهناك آثار على الكتفين، في مستوى "عظم الرفش" تؤكِّد أنّ حِملاً ثقيلاً ضغط عليهما.

 

 

 

 

 

 

هـ - الصَلب ودقّ المسامير

المصلوب بريشة أنطون ڤان دايك (1599-1641)

"فصلبوه ثمّ اقتسموا ثيابه" (متى 35:27)
"إذا لم أُبصر أثر المسمارين في يديه، وأضع إصبعي في مكان المسمارين، ويدي في جنبه، لن أومن" (يوحنا 25:20).
لم يكن الصلب شائعًا عند اليهود، إذ كانوا يلجأون إلى الرجم، أو إلى تعليق الشخص على شجرة، بعد الفراغ من قتله. أمّا الرومان فقد مارسوه بامتياز، على اللصوص والعبيد والخونة والقراصنة والثّوار. كانت الألسن تتداول أخبار المصلوبين، وتناولها المؤرِّخون الرومان في أعمالهم، والأدباء في مسرحيّاتهم، أمثال شَيشرون (106 – 43 ق.م.) الذي هاله شناعة الصليب وفظاعته ، فكتب:
"لو هدَّدونا بالموت، فلنمت أحرارًا على الأقلّ. أجل، فليبتعد الجلاّد والحِجاب على الرأس وحتّى ذِكرُ الصليب، لا عن الرومانيين وحسب، بل عن أفكارهم وعيونهم وآذانهم".
لذلك، مُنع تنفيذ الصلب على المواطنين الرومان: لم يُصلب مار بولس بل قُطع رأسه، أمّا مار بطرس الجليليّ فقد صُلب ورأسه إلى الأسفل.
غالبًا ما كان يتمّ الصلب بدقّ المسامير في اليدين والرجلين. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ المكان الصحيح للمسمار هو في الرسغ، لا في راحة الكف، فيتسنّى لعظام الرسغ من حمل ثقل جسم المصلوب، ما لا يمكن راحة الكفّ أن تقوم به.
أمّا بالنسبة إلى الرِجلين، فإنّنا نرى أنّه من الصعب جدًّا دقّ مسمار واحد في المكان المناسب، في القدمين معًا. لذلك نرجِّح أن يكون الجلاّد استعمل مسمارين، واحدًا في كلّ قدم، وهذا أمتن، من الناحية العمليّة، ويؤكّده الأطبّاء الاختصاصيّون.
لكنّ آباء الكنيسة اختلفوا في تحديد عدد المسامير: فقبريانُس (†258) وأومبروسيوس (†397) وغريغوريوس من تور (†594) يتكلّمون عن أربعة مسامير؛ فيما يذكر غريغوريوس النازيانزيّ (†390) وبونافنتورا (†1274) ثلاثة مسامير فقط! ومع ذلك، فالعديد من الأيقونات القديمة يُظهر يسوع المصلوب مع مسمارٍ في كلّ قدم: منمنمة إنجيل ربّولا (586) وصليب داميان ذات التأثير السريانيّ (القرن الثاني عشر).
من الواضح أنّ رجل الكفن هو مصلوب، وآثار المسامير بادية على اليدين والرجلين.

و – طعنة الحربة وكسر الساقين

"أمّا يسوع فلمّا وصلوا إليه ورأوه قد مات، لم يكسِروا ساقيه، لكنّ واحدًا من الجنود طعنه بحربة في جنبه، فخرج لوقته دمٌ وماء" (يوحنا 33:19 - 34).
إنّ رجل الكفن مطعون في جنبه الأيمن حيث الجرح المفتوح، والدم السائل منه، وهو لم تُكسر ساقاه لأننا نراها كاملة ومستقيمة، من دون أيّ تشويه. إنّ عمليّة كسر الساقين إجراءٌ عاديٌّ ونهائيٌّ يقوم به الجنود مع جميع المصلوبين. وقد ارتأوا ألاّ يكسروا ساقي يسوع لغاية في نفسهم، وبعدما رأوا أنّ لا لزوم لذلك، خاصة أنّ الوقت قد دهمهم، واستولى الخوف عليهم، نتيجة ثورة الطبيعة والرعود وهطول الأمطار؟ ثمّ إنّ الجنود استعجلوا العودة إلى المدينة المزدحمة بزوار الفصح، لحفظ الأمن، خوفًا من بروز مظاهر شغب، بين الشّعب، بسبب القيام بعمليّة الصلب، ومراعاة لحرمة "السبت" القاضية بعدم التجوّل، بعد هبوط الظّلام.
لكنّ طعنة الحربة هي من الأعمال الواجبة، ينفِّذها المسؤول عن الصلب، عند الفراغ من المهمّة الموكولة إليه وإلى أفراد فرقته، حين يشارفون على مغادرة الجلجلة، وذلك للتأكّد من أن المصلوب قد مات. وما من شكّ أنّ الطعنة طالت اللصين، أيضًا، ولو لم يَذكر الإنجيليون ذلك. كانت الطعنة مدروسة من قِبَل الجنود الرومان. فلكي تصيب القلب مباشرة، كانت تدخل من الجهة اليمنى، بين الضلعين الخامس والسادس، فتصيب الأُذين الأيمن حيث يتجمَّع الدم بعد الموت. إنّ الدم المتدفِّق من الجرح هو العلامة على الإصابة. ومن الواضح على الكفن أنّ الطعنة حصلت بعد الموت، نظرًا لكبر الجرح، إذ أنّ الجِلد، بعد الموت، لا يتقلَّص، ولا يلتحم.

|

19 نيسان - 24 حزيران 2015
عرض الكفن للعموم


جميع الحقوق محفوظة للمهندس فارس حبيب ملكي ©
اّخر الاخبار | سؤال و جواب | اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|