اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية

تأريخ كفن تورينو بالوسائل العلميّة  *

جون جاكسون

 

 

الدكتور جون جاكسون
Denver Post ©

إنّ الكفن الموجود حاليًا في تورينو قد دخل في التاريخ الأوروبي من فرنسا أبّان القرن الرابع عشر. وقد استُنتج من التحليل بواسطة الكربون المشعّ أنّ هذا التاريخ هو عينه تاريخ نموّ الكتّان الذي صنع منه الكفن. إنّ هذا التحليل يقيس كميّة الكربون 14 المشعّ بالنسبة إلى كمية الكربون 12 الثابتة والموجودة في العيّنة العضويّة.

هناك معادلة رياضية مبنيّة على قيمة الانخفاض الدليلي للكربون 14 الذي له "نصف عمر"(1) تساوي 5730 سنة، تعطي عددًا مبنيًا على نسبة الكربون 12 إلى نسبة الكربون 14. هذا العدد يدلّ على الوقت، وسلّم الوقت البياني هو نصف العمر للكربون 14. ومن المرغوب فيه أن يكون هذا العدد أو العمر بحسب الكربون المشعّ هو عمر العيّنة التقويمي(2) نفسه.

سوف نبيّن، في الجزء الأوّل من هذا العمل، كيف أنّ هذه المعادلة لم تتحقّق فيما يخصّ كفن تورينو، وأنّ هناك دليلاً أركيولوجيًا يشير إلى أنّ الكفن هو، في الحقيقة، أقدم من العمر الذي قيس في المختبرات الثلاثة، سنة 1988، بواسطة الكربون المشعّ.

أمّا في الجزء الثاني، فسوف نقوم بعرض الاختبارات التي قمنا بها والتي تشرح لماذا يبدو لنا عمر الكفن بحسب الكربون 14، خاطئًا.

1- تأريخ كفن تورينو بالاستناد إلى علم الآثار (الأركيولوجيا)

أثناء الدراسة التي أجريت على كفن تورينو، سنة 1978، لاحظ أحد المشاركين فيها، (جون جاكسون) بأنّ الكفن يتضمّن خطوط طيّ عديدة، تبدو وكأنّها علامة دائمة في القماش. ليست خطوط الطيّ هذه موزّعة عشوائيًا: إنّها خطوط مستقيمة، تمتدّ باتجاه عرض القماش كلّه، من دون أي تغيير في بنية القماش. أمّا الطيّة الأوضح، المشار إليها بحرف C  على الرسم المقابل، فتمرّ عبر القسم الأعلى من الصورة الخلفيّة للجسم، وتتقاطع مع بعض الرقع التي أضيفت جرّاء الحريق الذي شبّ العام 1532. هذه الطيّة موجودة تمامًا على مسافة الثمن (1/8) من طول القماش، إذا قيست من وسط المستطيل الذي يشكّله الكفن. إنّ وجود هذه الطيّة في هذا المكان يشير بقوّة إلى أنّ الكفن قد طوي ثمان طيّات، في وقت من الأوقات. وبالفعل، إذا انتقلنا مسافة ثمن ثانية من طول الكفن، باتجاه الصورة الخلفيّة، نجد طيّة أخرى B ، وكذلك طيّة ثالثة  Aإذا انتقلنا لمسافة ثمن 1/8 أخرى. فمن المنطقي إذن أن نستنتج أنّ هذه الطيّات الظاهرة على الصورة الخلفيّة للجسم، والمتباعدة عن بعضها البعض مسافة الثمن (1/8) من طول الكفن، يجب أن تكون موجودة أيضًا على الصورة الأماميّة للجسم. إلاّ أنّنا تفاجأنا، عند تفحّص المنطقة الوسطى للصورة الأماميّة، حيث توجد اليدان، أنّه هناك أربعة خطوط متساوية البعد F باتجاه عرض الكفن كلّه، بدل خطّ طيّ واحد.  

لنبحث الآن عن عمر هذه الطيّات!

نلاحظ أولاً أنّ عددًا كبيرًا من هذه الطيّات ظاهر على الصور التي التقطها سكندو پيا للكفن، سنة 1898، ما يدلّ على أنّ الطيّ على ثماني طيّات لا يقلّ عمره عن مئة سنة.
ولكن، كما لاحظنا آنفًا، أحد هذه الطيّات يتقاطع مع الخروقات في القماش، الناتجة عن حريق سنة 1532، ومن المفيد تفحّص صورة راديوغرافية لهذه المنطقة. يمكن أن نرى أنّ الطيّة تقطع جانبي الخرق الذي أحدثه الحريق، وأنّ أطرافه مفحمة وهشّة كما تظهره الصور التي التقطها باري شْڨورتز بالنور المنقول. من الواضح إذن أنّ هذه الطيّة كانت موجودة قبل العام 1532، وأنّ النيران قد أحرقت القماش حيث تمرّ هذه الطيّة.
نرى أيضًا، على الصور الراديوغرافية، الحياكة المنتظمة والمربعة للرقعة التي خيطت لإصلاح القماش المخروق، سنة 1534. إنّ منظر هذه الرقعة غير مشوّهًا البتّة، ما يدلّ على أنّ الطيّة ليست من ضمن هذه الرقعة الإضافيّة. ولكن، يمكن معارضة هذا الاستنتاج، والقول أنّ هذا التغيير في نسيج القماش، الذي نعتبره طيّة، إنّما هو نتيجة عرضية لعمليّة لفّ الكفن على شكل شوبك لمدّة طويلة. وما لا شكّ فيه أنّ هذه الطريقة أحدثت عدّة طيّات زائفة في قماش الكفن. ولكنّه من الواضح أنّ التغيير هذا في نسيج القماش، الذي يقطع القسم الأعلى من الصورة الخلفيّة، معترضًا الحرق الذي حصل العام 1532، هو أقدم من هذا الحريق. ويبدو أنّ عادة لفّ الكفن بدأ استعمالها بعد جلب الكفن إلى تورينو، سنة 1578. من ناحية أخرى، لا يمكننا التصوّر أنّ طيّة واحدة يمكن أن تحدث في الكفن، وبخاصّة في منطقة مفحمة وهشّة كما رأينا، من غير أن تؤثّر أيضًا على الرقعة أو على البطانة في هذه المنطقة. وهكذا لا يمكن الإدعاء أنّ الطيّة هي نتيجة لفّ الكفن.
نحن مقتنعون بأنّ الطيّات الظاهرة على الكفن ليست عشوائية، بل تمثّل الآثار لعمليّة طيّ معيّنة بقصد المحافظة عليه، لأنّها متباعدة عن بعضها البعض مسافة متساوية هي الثمن (1/8) من طول الكفن، وهي خطوط مستقيمة تقطع عرض القماش كلّه، وتختلف تمامًا عن الطيّات الأخرى العشوائيّة الموجودة على القماش. ولهذا السبب، فإنّ هذه الطيّات تحمل معنًى تاريخيًا مهمًّا يتجلّى من خلال آراء مختلفة كثيرة.

ولنسأل أنفسنا الآن: كيف تمّ طيّ القماش بالتوافق مع الذي عرضناه سابقًا؟

إنّ جوابنا هو الطيّ على ثمان طيّات. ولكن لأخذ الخطوط الموجودة على مستوى اليدين بعين الاعتبار، والمتساوية البعد عن بعضها البعض، فقد جئنا بمكعب، ولفّينا الكفن بشدّة حوله. إنّ هذا المكعب يقسم النصفين الأمامي والخلفي لصورة الجسم، ويسمح بأن يكون الوجه متوسطًا المساحة الأمامية للمكعب بشكل مثير للانتباه. ومن الواضح أنّ طريقة الطيّ هذه معقّدة بعض الشيء، ولا تتطابق مع الطريقة المستعملة للمحافظة على الكفن، التي يمكن تصوّرها بديهيًا. غير أنّ الطيّات هي ظاهرة على الكفن، ووجودها مثبّت فعلاً، ما يدل على أنّ الكفن قد طوي بهذه الطريقة (3) بالذات لمدّة طويلة كافية لتصبح هذه الطيّات دائمة.
ونجد أنفسنا الآن أمام معضلة دقيقة إذا قبلنا بنتيجة التأريخ بحسب الكربون 14، أي أنّ الكفن يعود إلى القرن الرابع عشر. ويبدو أنّ الكفن عرض مرارًا في أوروبا، منشورًا بالكامل، كما يظهر في القلاّدة المعروضة في متحف كلوني (فرنسا)، حيث نشاهد هذا النوع من العرض الذي يعود إلى القرن الرابع عشر.
وإذا كانت الطريقة المذكورة أعلاه هي الطريقة المعتادة لحفظ الكفن، علينا الاعتقاد بأنّ عمليّة العرض كانت تجري وفق الخطوات التالية: يفتح الكفن أولاً، ثمّ يعرض، ثمّ يطوى للحفظ. وقد تكرّرت هذه الخطوات مرّات ومرّات عديدة.
بالإضافة إلى ذلك، كان على عمليّة إعادة طيّ الكفن أن تتمّ بمنتهى الدقّة، وبالطريقة نفسها في كلّ مرّة، كي تبقى الطيّات واضحة في مكانها. وباعتقادنا أنّ هذه الطريقة لإعادة الكفن، في كلّ مرّة، إلى ما كان عليه، هي غير منطقيّة ومعقّدة وغير عمليّة إطلاقًا.
وهكذا نستنتج بأنّ طريقة الطيّ هذه كانت مستعملة قبل جلب الكفن إلى أوروبا، أي قبل القرن الرابع عشر. ومن هنا، نبدأ بمعارضة صحّة تأريخ الكفن بواسطة الكربون المشعّ، مؤكدين أنّ الطيّات الظاهرة عليه هي أقدم من التاريخ المعطى له بهذه الطريقة.

ما هو الهدف من طريقة الطيّ المعقّدة هذه؟

للمساعدة على الاجابة على هذا السؤال، صنعنا نموذجًا طبق الأصل لطريقة الطيّ هذه. ونحن مدينون للأب هاينريخ بفيفر الذي اقترح علينا، أثناء مؤتمر روما المنعقد سنة 1993، بأنّ طريقة الطيّ هذه يمكن تعليلها، لأنّها مرتبطة بطريقة العرض. وبالفعل، إذا وضعت لوحة تحت القسم الأعلى من الكفن المطوي، يمكن رفع النصف الأعلى للصورة الأمامية لعرضها، وبعد ذلك يمكن إعادة الكفن بطريقة سهلة إلى وضعية الطوي المعتادة. ويمكن اعتبار ذلك مجرّد فرضيّة لافتة للانتباه، لولا وجود أيقونات عديدة تظهر المسيح ويداه مطويتان أمامه، خارجًا من القبر، كما هو ظاهر تمامًا في صورة الكفن التي استنتجناها من خطوط الطيّ التي رأيناها على القماش. ويبدو أنّ هذا التقليد في رسم الأيقونات مصدره القسطنطينية، حوالي سنة 1200، بحسب هانز بلتنغ.
ومن المفيد هنا التذكير بالوصف المعروف لروبير دي كلاري الذي يعود إلى الحقبة ذاتها:

          "كان هناك كنيسة أخرى على اسم القدّيسة مريم بلاشيرن حيث كان يحفظ الكفن
الذي لفّ به ربّنا، والذي كان ينتصب بطوله كلّ يوم جمعة، بحيث كان يمكن مشاهدة
قامة ربّنا كاملة، ولم يعرف أحد بعدها، لا من الروم ولا من الفرنسيين، ماذا حلّ بالكفن بعد سقوط المدينة".

والجدير ذكره أيضًا، أنّنا وجدنا شريطًا فاقد اللون، يجتاز عرض القماش بكامله، وذلك في المكان عينه الذي يجب وضع اللوحة لرفع نموذج الكفن الذي صنعناه. وعرض هذا الشريط يساوي عرض المسافة الفاصلة بين الخطوط الظاهرة في منطقة اليدين. من ناحية أخرى، عندما يطوى القماش بحسب الطيّات التي وجدناها، يبان هذا الشريط مباشرة فوق خطوط الطيّ الأربعة، كما تصورناها ناتجة عن مكعب. ولتثبيت نموذج الكفن في وضعيّة الطيّ، اضطررنا إلى تسمير أطراف النموذج إلى إطاره. ومن المفيد ملاحظة ثقوب المسامير الصدئة على أطراف الكفن. أحد هذه الثقوب ظاهر في المكان الذي أخذت منه العيّنة التي خضعت للتحليل بالكربون 14.
وهكذا، فإنّ خطوط الطيّ الظاهرة على الكفن، والشريط الفاقد اللون، وثقوب المسامير الصدئة، وكلّ ما تدلّ عليه أيقونات الحقبة البيزنطية المتوسطة، وكذلك النصّ التاريخي الذي يعود إلى أوائل القرن الثالث عشر، كلّها تدلّ على التصوّر نفسه: كفن خارج من علبة. وهذا لا يمكن أن يكون مجرّد صدفة.
هذه الملاحظات المتطابقة تعطي برهانًا قاطعًا بأنّ كفن القسطنطينية هو، في الحقيقة، القماش نفسه الموجود حاليًا في تورينو. ويدلّ هذا الاستنتاج، الذي نعتبره راسخًا، بأنّ التأريخ بواسطة الكربون 14، الذي يرجع الكفن إلى القرن الرابع عشر، لا يمكن أن يكون صحيحًا.

ونأتي الآن إلى القسم الثاني من هذه الدراسة: لماذا كان التأريخ بالكربون 14 خاطئًا؟

 

2- تأريخ الكفن بواسطة الكربون المشعّ

إنّه لمن المهمّ أن نفهم  أنّ التأريخ بواسطة الكربون المشعّ يتوقف على فرضيتين: أولاً، إنّ نسبة الكربون 14 في العيّنة عند نقطة الصفر، أي عندما خرجت هذه العيّنة من استقرارها البيولوجي، في بيئتها(4)، هي معروفة. وثانيًا، أنّ شيئًا لم يتغيّر في نسبة الكربون 14 سوى ما هو عائد للهبوط الطبيعي للكربون 14. وقد قيل مرارًا بأنّ عدّة أنواع من التلوّث يمكن أن تكون قد غيّرت تاريخ كفن تورينو، الذي أعطاه الكربون 14، بشكل ملحوظ. ومن أنواع التلوّث هذه، هناك اقتراح يقول بوجود بقيّة بيو-بلاستيكية مصدرها نشاط جرثومي على القماش. ويمكن دراسة هذا الاقتراح، لأنّ كلّ نوع من التلوّث من شأنه أن يزيد كتلةً على القماش.
نلاحظ أنّ كثافة العيّنة المأخوذة من الكفن هي 23 ملغم في السنتيمتر المربع، حسب القياس الذي قام به العالم تستوري (تمّ احتساب هذه الكثافة انطلاقًا من عيّنة مستطيلة الشكل، كتلتها 300 ملغم، وقياساتها 8،1 × 1،6 سنتم). ولنفرض أنّ هناك تلوثًا على القماش له كتلة معيّنة، ولنفرض أيضًا أنّ ذرّات الكربون في هذا التلوّث لها نسبة كاربون 14 إلى كاربون 12 تسمح لنا بحساب عمر التلوّث نفسه بواسطة الكربون المشعّ. والآن نحن نعلم أنّ عمر الكفن بالكربون المشعّ، بالإضافة إلى عمر أيّ تلوّث لم يتمّ إزالته بواسطة المعالجة المسبقة، هو بمعدّل 663 سنة (أي 1988 – 1325): إنّ هذا العمر يطابق نسبة الكربون 14 إلى الكربون 12 الموجودة على كامل العيّنة المأخوذة سنة 1988.
والسؤال المطروح هو: ما هي كتلة التلوّث الكافية لجعل الكفن، الذي يعود إلى القرن الأوّل، يبدو وكأنّه من القرن الرابع عشر؟ وهذا يعود إلى القول بأنّ المعادلات الرياضية لاحتساب العمر بالكربون المشع لعيّنة ملوّثة هي مشابهة لأوزان موضوعة على ميزان في الأماكن الموافقة للأعمار الذاتية بالكربون المشعّ لكلّ واحد منها.
ويدلّ حساب بسيط على أنّ عيّنة من القرن الأوّل يجب أن تكون متوازنة مع كتلة من التلوث موضوعة في نقطة "أصغر" من متوسط العمر بالكربون المشعّ والبالغ 663 سنة. إنّ أصغر تلوث يمكن أن يعطينا نقطة استقرار على 663 سنة هي تلك الموافقة لعمر الصفر بالكربون المشعّ أي سنة 1988، لأنّ الوقت الممتدّ من القرن الأوّل إلى القرن الرابع عشر يوازي مرتين تقريبًا الوقت الممتدّ من نقطة استقرار القرن الرابع عشر إلى القرن العشرين. ويجب أن تبلغ كتلة التلوّث ضعف كتلة الكفن الذي يحمل هذا التلوّث. إنّ كلّ قياسات الكثافة التي نعرفها للكفن هي 23 ملغ / سنتم مربع تقريبًا. وحتّى القياسات بواسطة الاشعاع الملوّن من نوع Rx
التي تمّت سنة 1978، عندما نعيدها إلى سماكة الكفن بالمقارنة مع سماكة البطانة، تعطي كثافة تساوي 25 ملغ / سنتم مربع (وهي كثافة السللوز الموجودة في الكفن). وبما أنّ هذه القياسات تمّت عمدًا من دون تلوّث، يبدو واضحًا أنّ كثافة الكفن المقاسة (23 ملغ / سنتم مربع) تدلّ على أنّ كتلة تلوّث تساوي ضعف كتلة القماش المستعمل للتحاليل، وهو غير ملوّث، ليست موجودة على العينات التي استعملت لتأريخ سنة 1988.
وهكذا، فإنّ نظريات التلوّث البسيط، بما فيها تلك العائدة للتلوّث البيو-بلاستيكي، لا يمكن القبول بها كتفسير للتأريخ بواسطة الكربون المشعّ، إذ إنّ قياسات بسيطة للكتل تؤدي إلى رفضها. يجب علينا إذن أن نجد تفسيرات أخرى لما نعتبره خطأ في تأريخ الكفن. وهناك إمكانية أن يكون هناك تلوّث ما قد أدّى إلى تخصيب الكربون 14 بالنسبة إلى الكربون 12. وفي هذه الحالة، قد يؤدّي العمر بالكربون المشعّ للتلوث إلى نقل التاريخ نحو المستقبل. وهذا يؤدّي إلى زيادة "عامل الوقت" لنقطة الاستقرار بالنسبة ذاتها لكلّ العيّنة (أي سلولوز + تلوّث) مما يؤدّي إلى خفض كتلة التلوّث المطلوبة لموازنة تاريخِ للكفن من القرن الأوّل بالنسبة إلى عمر العيّنة بالكربون المشعّ العائد إلى القرن الرابع عشر.
لكنّه يبدو أنّ هذا النوع من التلوّث يجب أن يكون مرتبطًا بتركيبة السلولوز الكيميائية، لدرجة أنّ المعالجة التي استعملتها المختبرات لتنظيف العيّنات من الزيادات لم تستطع إزالته.
وانطلاقًا من طريقة التفكير هذه، فقد تصوَّرنا أن يكون حريق سنة 1532 الذي أدّى إلى اصفرار الكتّان اصفرارًا شديدًا، وحتّى إلى ثقوب مهمّة ناتجة عن الحريق، هو الذي أدّى إلى وجود الظروف الملائمة للتخصيب بالكربون المشعّ. وإذا سلّمنا بهذه الفرضيّة، يكون مصدر الكربون الخارجي موجودًا في ثاني أكسيد الكربون الذي يحتويه الهواء. ويمكن أن يكون سبب التخصيب الإيزوتوبي عائدًا لظواهر العلاقات الكيميائية التي تؤدّي إلى تفضيل جزئيات ثاني أكسيد الكربون التي تحتوي على الذرّات الأثقل، أي الكربون 14.
أثناء مؤتمر "سيالت" سنة 1997، قمنا بتقديم عمل نظريّ يصف كيفيّة حدوث عمليّة التخصيب هذه. وقد استندنا وقتئذ إلى معلومات نشرت في روسيا تؤكّد أنّ عيّنات صغيرة من القماش قد تمّ تخصيبها بمجرّد وضعها في الهواء على حرارة معيّنة. وقد قرّرنا، استنادًا إلى هذه التحاليل، وبمساعدة دايڨيد فورنوف، أن نبني جهازًا اختباريًا مغلقًا لمعرفة إذا كان بالإمكان ملاحظة التخصيب بالكربون المشعّ بواسطة الحرارة المرتفعة. وقد قمنا في اختبارنا بوصل قنان من ثاني أكسيد الكربون والأزوت والأوكسيجين (حتّى على تركيز منخفض) وبخار الماء، عبر سلسلة من الصبابات، باتجاه غرفة تفاعل ذات قسمين. وهذه الغرفة موضوعة في فرن اختبار يمكن تسخينه لبلوغ أيّ حرارة ثابتة، بدءًا من حرارة الغرفة حتّى 235 درجة مئويّة. وقد جهّز القسمان، قسم الانتظار وقسم التسخين، بمجسّات حراريّة دقيقة ترسل قراءات الحرارة إلى حاسوب للمراقبة. وكلّ قسم مزوّد أيضًا بآلة لقياس الضغط موصولة بمواسير الغاز المؤدية إلى غرف التفاعل، وموصولة بحاسوب المراقبة. وانطلاقًا من المعطيات التي تؤمّنها هذه الأجهزة، قمنا بحساب عدد الجزئيات الغازيّة داخل القسمين، باستعمال نظريّة الغاز المثالي. كما قمنا بقياس كتلة العيّنة قبل التسخين وبعده، باستعمال ميزان OHAUS Analytical Plus
.
نبدأ بوزن عيّنة القماش المنوي تسخينه ونثبتها بين حلقات ملقطين مركبين بشكل محكم داخل غرفة التفاعل. وقد راقبنا حالة العينات خلال عمليّة التسخين بواسطة مسبار بالألياف البصريّة مثبتة في الغطاء الأمامي على بعد بضعة ميلليمترات من العيّنة. هذا المسبار موصول إلى جهاز قياس طيفي يسجّل طيف الانعكاس بين 0،2 ميكرون و 1،1 ميكرون.
إنّ تنفيذ عمليّة التسخين تقتضي منّا تحديد المعطيات الخاصّة بالاختبار. ويقوم برنامج في الحاسوب بحساب مستويات الضغط التي يجب الوصول إليها خلال الأطوار المتتالية داخل قسم التسخين. ونبدأ بإحداث الفراغ في غرفة التفاعل ومواسير الغاز والمستوعبات. وبعدها نقوم بإدخال الغازات في قسم الانتظار من غرفة التفاعل حسب البرنامج المحسوب. وفي هذا الوقت، تبقى عيّنة القماش في الفراغ، داخل قسم التسخين، ويصار إلى إشعال الفرن. وفور بلوغ الحرارة المطلوبة، نقوم بتمرير الغاز، من غرفة الانتظار إلى غرفة التسخين، ونسمح هكذا بحدوث التفاعل بين العيّنة والغازات الساخنة. وتبقى الأوضاع كذلك في نظام مغلق خلال مدّة الاختبار. وعندما ينتهي التسخين، يصار إلى تفريغ الغاز، وتبريد النظام بواسطة مروحة، ويصار إلى وزن العيّنة من جديد، فور إخراجها من الغرفة. ونقوم بقياس التغيرات الكيميائية بواسطة القياس الطيفي FT-IR
الذي يتفحص الطيف بدقة عالية من 1،3 ميكرون إلى 29 ميكرون. ويمكننا أيضًا إرسال العيّنة إلى مختبر للكربون المشعّ، أو مختبر للكيمياء، لإجراء أيّ تحليل آخر.
وقد قمنا حاليًا بمجموعة أوليّة من التسخين، في ظروف مشابهة لتلك التي قامت بها المجموعة الروسيّة منذ عشر سنوات. وقد أرسلنا هذه العيّنات إلى مختبر CRAL
، في بداية نيسان 2002، بالطريقة "العمياء"(5). يستعمل هذا المختبر العدّ بطريقة الوميض السائل "بيتا" لتحديد الاشعاع الخاصّ لعيّنة ما. واستلمنا النتائج قبل أربعة أيّام من بدء هذا المؤتمر. وحيث أنّنا بحاجة إلى وقت أطول لتحليل النتائج، ومتابعة البحث بواسطة إختبارات مماثلة، يمكننا القول أنّ النتائج المخبريّة تدلّ، على ما يبدو، وجود تخصيبٍ بالكربون 14، ذا دلالة إحصائيّة، على عيّنتين، بلغت قيمته 9،5% تقريبًا. كما أنّ وضع عيّنتي الاختبار، إذا ما قيس بوضع عيّنة المراقبة، يظهر فرقًا قدره 700 سنة، ما يجعل هاتين العيّنتين أصغر عمرًا، بمعنى الكربون المشعّ.
لقد قمنا، أثناء اختبارنا، بتعديل عدد جزئيات ثاني أكسيد الكربون، في سلسلة التفاعل، إلى العدد نفسه الذي نظنّ أنّه قد استعمل من قبل الفريق الروسي. ويجب أن ننبه إلى عدم استخلاص نتائج سابقة لأوانها، إذ يجب علينا إعادة هذه الاختبارات للتأكد من النتائج. إنّنا لا نعلم ما هو نظام هذا التخصيب الظاهر، ولم نحدّد كيف تتغيّر هذه الظاهرة بفعل الحرارة والوقت والكتلة وعدد جزئيات ثاني أكسيد الكربون ألخ... إنّ كلّ عمليّة تسخين اختباريّة تتطلّب ما بين ثمان وعشر ساعات، لذا فإنّ اختبارات كثيرة مطلوبة قبل أن نستخلص منها العبر.
ومن أجل الوصول إلى فهم كامل لمعنى هذه الاختبارات، نحن بحاجة إلى معلومات دقيقة حول وضع الكربون المشعّ للكفن نفسه، ما يعني الحاجة إلى دراسة بصريّة غير مضرّة لطيف FT-IR
 باستعمال الآلات ذاتها التي لدينا في المختبر.

الاستنتاج

نحن نعتقد بأنّ تأريخ الكفن بواسطة الكربون 14، والذي يرجعه إلى القرن الرابع عشر، هو خاطئ، وذلك لأسباب أركيولوجيّة عائدة إلى وجود علامات على الكفن (طيّات، فقدان اللون، ثقوب صدئة) تربط بين كفن تورينو والكفن الذي كان موجودًا في القسطنطينيّة.
وقد حصلنا على معطيات جدّ مبدئيّة تدلّ على أنّ التخصيب بالكربون 14 ممكن على درجات حرارة مرتفعة، مشابهة لتلك التي حدثت أثناء حريق 1532. ومن الممكن أيضًا حدوث هذا التخصيب على حرارة الطقس العاديّة، ولكن على فترات طويلة جدًّا.
بناءً على هذه الاستنتاجات، إنّ ما من شيء أهمّ من متابعة العمل في هذا المجال. وسنستمرّ في التنبيه ضدّ أخذ التأريخ المتداول الذي أعطاه الكربون 14 على محمل الجدّ، إلى أن يصار إلى معرفة هذه الظاهرة معرفة تامة.

 

* نقله إلى العربيّة: المهندس جريس إميل ملكي، عن النصّ الفرنسي المنشور في مجلّة:
Revue Internationale du Linceul de Turin, No 28, novembre 2006.

 

الحواشي:
1- ملاحظة المترجم: نصف عمر أو دورة Période  .
2- م. م. : العمر التقويمي هو العمر الحقيقي للشيء.
3- م. م. : أي حول مكعب، والشوبك يمثل الطريقة البديهية.
4- م. م. : أي قلع ألياف الكتّان من التراب، في حالة الكفن المصنوع من كتّان.
5- م. م. : أي من دون أن تعطى للمختبر أيّة معلومات عن العيّنة المرسلة.

|


جميع الحقوق محفوظة للمهندس فارس حبيب ملكي ©
اّخر الاخبار | سؤال و جواب | اتصل بنا | من نحن | الصفحة الرئيسية
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|